بعد قرار لجنة المتابعة العربية الذي أجازت عن طريقه للفلسطينيين إدارة مفاوضات غير مباشرة، كان قد اقترحها السيناتور الأميركي جورج ميتشل كمخرج للاستعصاء التفاوضي، كان على الإدارة الأميركية أن لا تضيع المزيد من الوقت المتاح الذي حددته لجنة المتابعة بأربعة أشهر.
بدا وكأن الظروف ناضجة لإدارة هذه المفاوضات، بعد أن رحبت إسرائيل بالموقف العربي، الذي عارضته سوريا وانقسم بشأنه الفلسطينيون، الأمر الذي دفع الإدارة الأميركية لتحريك ممثلها لعملية السلام، جورج ميتشل إلى المنطقة، مدعوماً بزيارة متزامنة لنائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، الذي رحبت به إسرائيل باعتباره أكبر وأهم حلفائها في البيت الأبيض.
وعلى الرغم مما تناقلته وكالات الأنباء من أن بايدن سيركز خلال جولته لإسرائيل وعدد من دول المنطقة، على الملف النووي الإيراني، وبهدف ضبط الموقف الإسرائيلي ليتلاءم مع إيقاع السياسة الأميركية إزاء هذا الملف، ولإقناع حكومة نتانياهو بالامتناع عن توجيه ضربة عسكرية استباقية لإيران، إلا أن نائب الرئيس الأميركي، انخرط بقوة إلى جانب ميتشل في ملف المفاوضات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
حضور بايدن إلى جانب ميتشل في إسرائيل والأراضي المحتلة، يقدم دلالة على جدية واشنطن إزاء استثمار فرصة الأشهر الأربعة المتاحة للمفاوضات غير المباشرة، من أجل تحضير الأطراف والمناخات لإطلاق مفاوضات مباشرة مثمرة لاحقاً.
وإبقاء الجهود من أجل تحقيق السلام، حية ومتحركة، غير أن هذا الحضور القوي لا يعني بالضرورة تغييراً في الموقف الأميركي، ولا تغييراً في طبيعة الدور، رغم الوعود الأميركية للسلطة بأن يكون هذا الدور أكثر فعالية واقتراباً.
وإذا كان السيناتور ميتشل قد استهدف خلال لقاءاته في تل أبيب ورام الله، التأكد من موقف الأطراف من بدء المفاوضات، وإطلاع الطرفين على آلياتها وموضوعاتها وجداولها الزمنية.
والمتطلبات الإجرائية لإنجاحها، فإن بايدن اقترح لها ثلاثة مسارات، الأول على مستوى المتفاوضين، والثاني عملياتي لتعزيز إجراءات الثقة، والثالث سري بين رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس الفلسطيني.
على أن الحكومة الإسرائيلية تفكر وتعمل على نحو مختلف، مما يؤكد أن موافقتها على فكرة المفاوضات غير المباشرة، لم تكن سوى تكتيك سياسي يستهدف في نهاية المطاف مسايرة واشنطن، دون أن تتراجع إسرائيل عن سياسة فرض الوقائع على الأرض، التي تنسف أسس عملية السلام.
لقد أراد نتانياهو أن يفهم أن قرار لجنة المتابعة العربية، يعني الصمت على النشاطات الاستيطانية المكثفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخصوصاً في القدس، وأن هذا الصمت يؤشر إلى مدى ضعف الوضع العربي والفلسطيني.
وانعدام الخيارات. فوق هذا، يدرك نتانياهو أن الموقف الأميركي محكوم لاعتبارات، أهمها أن حاجة الإدارة الأميركية لأن لا تبدي تشدداً إزاء النشاطات الاستيطانية، وحاجة الديمقراطيين لاسترضاء اللوبي اليهودي في أميركا خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في يوليو المقبل، من شأنهما أن يدعما الاعتقاد ذاته.
هكذا أراد نتانياهو أن يقدم رسائل شديدة الفجاجة، وفي وقت حرج جداً. فقد استقبل ميتشل في إسرائيل بقرار من وزير الحرب ايهود باراك، يسمح ببناء مئة واثنتي عشرة وحدة سكنية في محيط القدس.
لكن لا ميتشل ولا بايدن استجابا للتحذيرات الفلسطينية من خطورة ذلك القرار، فجاء التعليق عليه بارداً، لا معنى له. نتانياهو أيضاً اشترط، في وجود بايدن وميتشل، أن توافق السلطة الفلسطينية على يهودية الدولة.
وعلى ضمانات أمن إسرائيل. لم تترك هذه الرسائل الأثر الذي ينتظره نتانياهو، ولذلك بادر وزير داخليته لتصعيد لهجة الرسائل، باتخاذه قراراً لبناء ألف وستمئة وحدة سكنية في محيط مدينة القدس، وكان ذلك كأنه صفعة قوية على وجه نائب الرئيس الأميركي الذي لم يكن قد غادر إسرائيل بعد.
نتانياهو أراد أن يؤكد بالملموس للفلسطينيين والعرب، وللولايات المتحدة، أن إسرائيل لن تتراجع عن سياستها التي تقوم على الحل أحادي الجانب، عبر فرض الوقائع يومياً على الأرض، وأنها لن تقبل، لا تجميد ولا تخفيف وتائر الاستيطان في القدس خاصة، التي ينبغي من وجهة نظر الإسرائيليين، أن تخرج من دائرة التفاوض، باعتبارها العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل! فضلاً عن ذلك أراد نتانياهو من خلال هذه الرسائل، ابتزاز إدارة أوباما.
وامتحان قدرتها ومدى استعدادها لممارسة أي شكل من أشكال الضغط على إسرائيل، بسبب دورها المعطل لعملية السلام والمسؤول عن إفشال الجهود الأميركية، التي تتواصل بلا توقف منذ فبراير العام الماضي.
المفاوضات غير المباشرة التي أرادتها الإدارة الأميركية، ومنحتها هذا الزخم، وراهنت عليها، لإخراجها عملية السلام من عنق الزجاجة الذي علقت فيه، قد جوبهت قبل بدايتها بسلوك إسرائيلي غير إيجابي.
بل وتصعيدي في وجه الجميع، بما في ذلك السياسة الأميركية. على أن صفاقة الرسائل الإسرائيلية لم تترك لنائب الرئيس الأميركي بايدن أي مجال للتردد في إدانة القرار الاستيطاني، باعتبار أنه ينسف عوامل ومناخات الثقة المطلوب بناؤها، ويعطل المفاوضات.
وهي إدانة شكلت مقدمة لاتساع نطاق تصريحات الشجب والإدانة من الذين اختاروا على مضض الذهاب للمجموعة العربية لتأمين الغطاء للمفاوضات غير المباشرة، التي اقترحتها الولايات المتحدة، وما كان لديهم خيار آخر لا يؤدي إلى الاصطدام بضغوط أميركية وربما أوروبية محتملة.
الفلسطينيون قرروا العودة إلى المجموعة العربية مجدداً، لبحث ممكنات وخطوات الرد على التصعيد الإسرائيلي. هكذا أقدمت إسرائيل على إفشال المفاوضات غير المباشرة قبل أن تبدأ، مما يستدعي من واشنطن، رداً كانت السلطة قد استفسرت بشأنه من الخارجية الأميركية، ويتعلق بطبيعة موقفها في حال فشلت المفاوضات.
في انتظار التفاعلات الناجمة عن التصعيد الإسرائيلي، وفي انتظار موقف عملي من الإدارة الأميركية، أبدى وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك، امتعاضه ورفضه لقرار وزير الخارجية ببناء ألف وستمئة وحدة سكنية.. ليس رفضا منه لمبدأ الاستيطان، وإنما لأن القرار «جاء في الوقت والظرف غير المناسبين».
والسؤال؛ هل ستتراجع إسرائيل أم أن إدارة أوباما ستخضع للابتزاز؟ وهل سيتجاوز العرب هذه القضية أم أن الأمور ستعود إلى المربع الأول؟!
كاتب فلسطيني
