من السابق لأوانه الحديث عن طبيعة حكومة ما بعد الانتخابات في العراق، وعن تركيبتها، ومدى قدرتها في مقاربة القضايا الكبيرة التي تعرقل عملية بناء الدولة العراقية على أسس معاصرة، وأبرزها إعادة النظر بالدستور، وإزالة الألغام الكثيرة المنتشرة في متونه، لفسح المجال أمام أبنائه كافة؛ في الداخل والخارج، للإسهام في عملية بناء البلد.

فنتائج الانتخابات لم تعلن بشكلها النهائي بعد، من جهة، كما أن قواعد اللعبة في حقول الرمال السياسية المتحركة لا تستبعد أن يعود حلفاء الأمس، متنافسو اليوم، إلى خيمتهم القديمة لإدامة ركود الوضع السياسي القائم، من جهة أخرى.

ما سيتمخض عن الانتخابات العراقية من نتائج، له أهمية خطيرة في رسم معالم المستقبل للدولة العراقية، كما أن له أهمية استثنائية على مستويات أخرى مختلفة. فعلى المستوى الإقليمي، التغيير المتوقع والمطلوب في العراق هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار في ربوعه، لذلك سترسم في ضوئه خارطة توازنات جديدة في المنطقة، تهدئ مخاوف الدول العربية من الدور المتصاعد لإيران.

أما على المستوى الدولي، فأهميتها تكمن في حقيقة مهمة، فاستقرار العراق يسمح للولايات المتحدة بالمضي قدماً بتنفيذ جدول الانسحاب الجزئي المقرر لقواتها.

وهو ما يعزز موقف الرئيس أوباما أمام الرأي العام الأميركي. أما أهميتها لدول الاتحاد الأوروبي وللدول الأخرى الكبرى، فتكمن في أن العراق المستقر أفضل مكان في العالم للاستثمار، فهو ليس غير ركام ينبغي إعادة بناء كل ركن فيه، وفرصة نادرة للشركات الكبيرة لمضاعفة ثرواتها.

من المفيد، في سياق الحديث عن الانتخابات العراقية، الإشارة إلى الظروف التي رافقت اليوم الانتخابي وأسهمت في التأثير على مخرجاته:

1. حظيت الانتخابات باهتمام كبير على المستوى الدولي، فالولايات المتحدة ترقب بعناية وعن كثب ما يجري، كما أن الاتحاد الأوروبي أرسل مراقبيه، وعملت الجامعة العربية على ذلك أيضاً.

2. بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 62 %، وهي نسبة تضفي الشرعية على العملية الانتخابية، إلا أنها أقل من نسبة المشاركة في الانتخابات التي سبقتها من جانب، وأقل مما كان متوقعاً، في ضوء وجود دوافع قوية لدى المواطن العراقي من أجل العمل بقوة على التغيير، من جانب آخر.

وقد بلغت نسبة المشاركة أوجها في المحافظات الكردية الثلاث (80 % في دهوك)، وبدرجة أقل في المحافظات المحسوبة على السنة العرب وهي الموصل وصلاح الدين وديالى والأنبار، في حين كانت الأدنى في المحافظات الجنوبية (50 % في ميسان).

3. تعرض عدد من الكيانات المتنافسة ومن المرشحين إلى غبن كبير بسبب عدم توافر فرص متكافئة أمام المتنافسين للترويج لأنفسهم ولبرامجهم، فتدفق المال السياسي من داخل العراق وخارجه قد سمح لبعض الكيانات أو لبعض المرشحين بالظهور بكثافة لافتة للنظر في وسائل الإعلام العراقية والعربية، وحرم آخرين من ذلك.

4. حرمت أعداد كبيرة من الناخبين المقيمين في الخارج من المشاركة في الانتخابات بدعوى عدم توافر الوثائق المطلوبة، وهذا الإجراء الذي اعتمدته المفوضية المستقلة للانتخابات قد خدم الاتجاه المحافظ، لأنه أعاق الكثيرين من دعاة التغيير من الإدلاء بأصواتهم.

5. لم تخل أجواء الانتخابات من تحليق صواريخ وانفجار قذائف، عكرت صفوها، وحصدت أرواح العشرات، وتسببت في عزوف الكثيرين عن الخروج للإدلاء بأصواتهم.

6. شهد اليوم الانتخابي حضوراً قوياً، في العلن، أو خلف الكواليس، لبعض دول الجوار العراقي، للمساعدة على فرض التغيير، أو للمساعدة على تكريس ما هو قائم.

على أية حال، لم تكن أجواء الانتخابات قريبة من المثالية، وهو ما كان متوقعاً، فقد سجل المراقبون من مختلف الكيانات المشاركة في الانتخابات، كما سجل أيضاً مستقلون آخرون، خروقات كثيرة، وقد رصد مراقبو الاتحاد الأوروبي محاولات خطيرة لتزويرها. إلا أنه، وعلى العموم، فإن ما شابها من شبهات لا يرقى إلى مستوى التأثير الجدي في المعالم الأساسية لها.

والآن لنا أن نتساءل عن الفرص المتاحة للتغيير؟

النتائج الأولية التي أعلنت لا تبشر بإمكان حدوث تغيير بالقدر الذي يأمله العراقيون، فتقاعس الناخب وعدم حضوره بكثافة في اليوم الانتخابي تسببا في إضعاف فرص قادة التغيير وجعل مهماتهم أكثر صعوبة وأشد تعقيداً. الكتلة العراقية هي التي تقود دعاة التغيير، إلا أنها في تنافس شديد مع كتلة دولة القانون الأكثر قرباً للنهج المحافظ.

كلتاهما ستكونان بحاجة إلى التحالف مع كتلة كبيرة أخرى أو أكثر من أجل الحصول على أكثرية تسمح بتولي السلطة، ومن غير شك ستكونان ملزمتان بتقديم ما يغري الحليف أو الحلفاء، وقد يكون ذلك على حساب بعض أبرز ما في أجندتها. فلدى كلتاهما فرصة قيادة العملية السياسية للسنوات الأربع المقبلة، إلا أن هذه القيادة مشروطة بما سيضعه الحليف أو الحلفاء من قيود.

فرصة الائتلاف الفائز هي التوظيف الذكي لميزة الأولوية، فالمبادرة في صفه، أما فرصة الطرف الثاني فهي في التخطيط الذكي لإفشال الأول في توظيف المبادرة لتكوين تحالف يسمح له بالأغلبية النيابية.

فالدستور العراقي ينص على أن رئيس الكتلة التي تمتلك العدد الأكبر من الأعضاء في مجلس النواب المنتخب هو الذي يكلف بتشكيل الوزارة بسقف زمني محدد. فقد نصت البنود الثلاث الأولى من المادة 76 من الباب الثالث للدستور العراقي على ما يلي:

أولاً ـ يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تأريخ انتخاب رئيس الجمهورية.

ثانياً ـ يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف، تسمية أعضاء وزارته، خلال مدةٍ أقصاها ثلاثون يوماً من تأريخ التكليف.

ثالثاً ـ يُكلف رئيس الجمهورية، مرشحاً جديداً لرئاسة مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً، عند إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة، خلال المدة المنصوص عليها في البند «ثانياً» من هذه المادة.

القدرة على التغيير تتطلب التمتع بأغلبية نيابية مريحة تسمح بمقاربة قضايا كبيرة وفائقة الأهمية، وهي إجراء التعديلات في الدستور، وإزالة المواد أو البنود التي تعيق المصالحة الوطنية وتعيق إعادة بناء العراق وتكرس الخنادق بين مكوناته، كما اشرنا آنفاً.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae