ليس من السهل أن ينتقل الإنسان من مكان إلى آخر، من وسط عاش فيه وأَلِفَه وأصبح كل منهما ـ أي الإنسان والمكان ـ جزءًا من الآخر، ليجد نفسه في مكان آخر جديدا، لا عهد له به من قبل، ويحتاج إلى أن يتعرف إلى ملامحه.
كأنه شخص أبصر فجأة وهو في أمسّ الحاجة لمعرفة كل التفاصيل التي تهمه ـ والتي قد لا تهمه ـ كي يشعر بالطمأنينة النفسية فقط، حتى إن لم تفده كل التفاصيل التي حرص على جمعها ومعرفتها.
الانتقال بحد ذاته أمر صعب، لأن الإنسان يترك فيه مكانًا عرفه وألفه، ويذهب إلى مكان جديد لا خبرة له به. لكن حديثنا الآن ليس عن فكرة الانتقال عمومًا، بل عن الارتباط بالمكان.
خصوصًا عند من يضطر لمفارقته، إذ يظهر حينها حجم الارتباط الحقيقي بذلك المكان؛ فالكثيرون منا يرتبطون بالمكان الذي يقيمون فيه مدة من عمرهم، دون أن يعني هذا أن المدة يجب أن تكون طويلة زمنيًا، فهي على قِصَرِها قد تكون عميقة على مستوى الإحساس والمشاعر والوجدان.
كما أن العكس صحيح، فكثيرون منا ـ أيضا ـ يقيمون مدة طويلة جدا بمقياس الزمن في مكان ما، لكنهم يتحينون الفرص لمغادرته غير آسفين عليه. إنهم لم يرتبطوا به ولم يشعروا تجاهه بأي مشاعر إيجابية تدفعهم للحرص على البقاء فيه، أو على الأقل على عدم الرغبة في تركه.
الأمر ليس عملية حسابية، ولا يمكن لجميع الناس أن يحملوا الأحاسيس ذاتها تجاه مكان واحد، حتى لو تشابهت الظروف، فهناك عوامل نفسية تتدخل في ذلك، وتجعل من المكان جنة في عيون البعض وجحيما في عيون البعض الآخر.
يرتبط المكان بكل شيء آخر من الطبيعي أن يوجد في أي مكان، كالبشر.. طباعهم.. ونفسياتهم.. حتى ملامحهم التي ترتسم بحسب جغرافيا المكان ومناخه العام؛ فالمكان ليس حدودًا جغرافية فحسب، بل هو كيان كامل، حي..
يتنفس.. وهذه فكرة جوهرية، علينا أن نضعها في أذهاننا ونحن نودع مكانًا أو نقبل على مكان.. والعنصر البشري هو أهم عامل يتحكم في مشاعرنا تجاه مكان أو آخر.
فالأماكن التي أحببناها أكثر هي تلك التي نتذكر فيها بحب وشوق أشخاصًا عزيزين جدا علينا، خصوصا إن جمعنا بهم ذلك المكان، ولولا وجودنا معهم في المكان نفسه وفي الزمان نفسه، لما عرفناهم ولما كانت لنا فرصة لقائهم.
كذلك فإن الأماكن التي ننفر منها ـ ومن ذكرها حتى ـ كثيرًا، هي تلك التي تذكّرنا بفلان أو علانة أو غيرهما، لأنهم أصبحوا عنوانا لها، وأصبح المكان مرتبطًا بهم وهم مرتبطون به، لذلك نتمنى أن يباعد الله بيننا وبين ذلك المكان كما باعد بين المشرقين والمغربين.
هناك عوامل أخرى بالتأكيد تتحكم في مدى ارتباطنا بالمكان، لكنها تبدو ـ من زاويتي الشخصية ـ ثانوية مقارنة بالعامل البشري، من مثل مستوى الوضع المادي في مكان ما، أو حجم الخدمات والتسهيلات المتاحة فيه، وغير ذلك..
إذ إنني أميل إلى التنازل عن بعض الأمور الأساسية، بالإضافة إلى كثير من الكماليات طبعا، إذا توافرت الراحة النفسية تجاه الأشخاص الموجودين في المكان، لأنها ـ أي راحتنا النفسية معهم ـ تعوّض عن أشياء كثيرة قد لا تستطيع المادة توفيرها.
الأكثر أهمية هو أن بعد المكان وقربه يتحددان بحسب قوة إحساسنا به، فكلما كان إحساسنا بالمكان قويًا شعرنا أننا أكثر بعدًا عنه ونحن نفارقه، حتى إن كان يسكن شغاف قلوبنا حبًّا، لكن عِظَمَ إحساسنا بالفقد تجاهه يجعلنا نشعر بمضاعفة المسافة التي أصبحت تفصلنا عنه، بعد أن كنا نكاد نلتحم به ونكون قطعة منه وهو قطعة منا.
وإحساس الفقد هذا قد يدفع بعض الناس الذين يرتبطون بأمكنتهم ارتباطًا شديدًا، إلى إعادة رسم حياتهم من جديد، وإحداث تغييرات جوهرية فيها، حتى يعودوا لذلك المكان الذي لم يستطيعوا أن يستوعبوا حياتهم الجديدة البعيدة عنه.
ألفتنا بالمكان هي التي تنشئ هذا الإحساس؛ فمن لم يألف مكانًا لا يمكن أن يشعر بأي من هذه المشاعر تجاهه، ومن الطبيعي ألا يفكر حتى مجرد تفكير في أن يربط مصيره بمكان ما، أو أن يجعل ذلك المكان يتحكم في رسم ملامح مستقبله.
ألفة المكان ليست ارتباطًا سطحيًا يمكن أن يُطمَس بمضي الزمن والاستغراق في تفاصيل الحياة ومشاغلها، بل هي شيء أكثر عمقًا من أن يستطيع المرء أن يتحكم في إظهاره أو إخفائه، متى ما شاء وكيفما أراد.