الولايات المتحدة تنوي نشر صواريخ اعتراضية بالقرب من الحدود الروسية في أراضي رومانيا وبولندا، وروسيا تعترض بشدة، بينما في واشنطن يندهشون من اعتراضات موسكو ويعتبرونها غير مبررة، لأن أي منظومة صواريخ اعتراضية أميركية لا قيمة لها أمام قدرات الصواريخ الروسية.

والحقيقة أن منظومات الصواريخ الأميركية المزمع نشرها في أوروبا، لا تمثل تهديداً للمصالح الوطنية لروسيا على المدى القريب، نظرا لعدم حيازتها على صواريخ بالستية ومجنحة متوسطة المدى التي يتم نشرها برا. وفي يونيو 1991 تمت تصفية الصواريخ من هذا النوع، بموجب اتفاقية سوفييتية أميركية.

ومع ذلك، فقد عبرت موسكو عن قلقها بهذا الشأن، للأسباب التالية:

أولاً: وجدت موسكو نفسها أمام الأمر الواقع، بعد أن أعلنت واشنطن عن اتجاه ل«إعادة تشغيل» العلاقات الروسية الأميركية. كما تم نسيان التصريحات المشتركة التي أدلى بها الرئيسان ميدفيديف وأوباما، في الأول من ابريل والسادس من يوليو 2009.

حول ضرورة التفاعل الدولي على قدم المساواة في مجال الدرع الصاروخية. ويذكر أنه تم الاتفاق على عمل مشترك على مستوى الخبراء، للنظر في التهديدات الصاروخية المشتركة، وإعداد التوصيات في المجال السياسي الدبلوماسي أولا وقبل كل شيء.

واتخذت موسكو وواشنطن بالتزامن قرار تنشيط العمل على إنشاء مركز تبادل البيانات، كأساس لنظام الإخطارات حول عمليات إطلاق الصواريخ. ولكن الإدارة الأميركية الحالية سلكت طريق الإدارة الجمهورية السابقة، التي سعت لنشر منظومة الدرع الصاروخية مهما كان الثمن، مما أدى إلى ارتياب موسكو إزاء نية واشنطن بناء علاقات شراكة حقيقية.

ثانيا: لم يتقدم الجانب الأميركي بأي معلومات حول عدد الصواريخ الاعتراضية التي سيتم نشرها، ومواقعها وأقصى ارتفاع للاعتراض وكيفية توجيهها. ويصعب التحدث عن الملامح الحقيقية للمنظومة تحت الإنشاء، نظرا لقلة المعلومات المتوفرة.

ثالثا: تنوي الولايات المتحدة نشر قواعد متحركة لصواريخ «إس أم 3» في بولندا بحلول عام 2018، مما يزيد التساؤلات حول جدوى هذا القرار، نظرا لعجز المنظومة المزمع نشرها في رومانيا عن اعتراض الرؤوس الحربية للصواريخ البالستية العابرة للقارات، وذلك لحماية الولايات المتحدة من تهديد الهجوم الصاروخي الموجه من إيران.

رابعاً: لنعترف بأن نشر عناصر منظومة الدرع الصاروخية في رومانيا، لن يمثل تهديداً حقيقياً لروسيا، ولن يغير التوازن الاستراتيجي بين موسكو وواشنطن، إلا أن الولايات المتحدة تخطط لنشر صواريخ اعتراضية أكثر قوة في أوروبا، قبل أعوام 2018 - 2020.

وقد تكون هذه الصواريخ من الفئة المطورة، ذات معدلات تسارع عالية وأقصى ارتفاع اعتراض يفوق 1000 كلم، مما سيسمح لها، علاوة على إصابة الرؤوس الحربية للصواريخ البالستية العابرة للقارات، بتدمير الصواريخ البالستية الروسية بعيد إطلاقها، مما يقتضي إجراء عملية الاعتراض بنظام تلقائي.

حيث لا تستغرق عملية إطلاق الصاروخ الروسي البالستي العابر للقارات «توبول ـ م» الذي يعمل بوقود صلب، أكثر من دقيقتين. هذا الأمر يخفض بصورة ملحوظة عتبة الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية.

ونشير، مع الأسف، إلى أن مثل هذه القرارات التي تتخذها إدارة أوباما، لا تنص على مشاركة روسيا وحلفائها في بناء منظومة الأمن الأوروبي، مما يزيد شكوك روسيا في نوايا واشنطن تجاهها. وكان من العقلانية عدم إبعاد موسكو عن هذه العملية، بل إشراكها في بناء المنظومة الموحدة للأمن الأوروبي الأطلسي، بما في ذلك قضايا الدفاع المضاد للصواريخ.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com