بعد جلسات متتالية لمجلس الوزراء، أقرت الحكومة قانون الانتخابات البلدية وإحالته إلى المجلس النيابي، فما هو تاريخ العمل البلدي في لبنان؟
بعد انقطاع مستمر دام 38 سنة لأسباب متعددة، أبرزها الحرب الأهلية (1975-1990)، جرت أول انتخابات بلدية واختيارية في مايو 1998 في غالبية القرى والبلديات، لانتخاب المجالس البلدية والاختيارية (باستثناء قرى ما كان يعرف بالشريط الحدودي المحتل آنذاك، وبعض القرى المهجرة).
جرت الانتخابات تبعاً لمعايير مختلفة ومتعددة، وسط خارطة متشابكة من التحالفات والصراعات العائلية والحزبية، وأحياناً عند انتفاء المنافسة كانت المعارك الانتخابية تجري بين أبناء العائلة الواحدة وفروعها، وحتى بين تكتلات الحزب الواحد. وفي بعض القرى والبلديات فاز بعضها بالتزكية، حيث سيطرت الأجواء التوافقية.
تاريخياً، عرف لبنان أول مجلس بلدي منذ أكثر من 150 عاماً، حيث أنشأ حاكم بيروت ما يسمى «مجلس الولاية»، مكوناً من 12 عضواً معينين من قبله، بهدف تنظيم أمور المدينة على صعيد النظافة والإضاءة والحراسة...
«ولم يكن هذا المجلس يشكل مجلساً بلدياً بالمعنى المعروف»، لكن أول مجلس بلدي بالمفهوم المتعارف عليه، أنشئ عام 1864 في عهد المتصرفية، وتحديداً مع بلدية دير القمر المنتخبة، وبعدها بثلاث سنوات (1867) أنشئت بلدية بيروت، ثم صدر قانون البلديات العثماني (1877).
تلاه قانون آخر في عهد الانتداب الفرنسي 1922، وقانون 1947 مع بداية عهد الاستقلال الذي مر بتعديلات متعددة إلى حين صدور المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977، المعدل بدوره بالقانون 665/1997 والمعدل سنة 1999 (الجريدة الرسمية سنة 1999 العدد 28).
لقد جرت الانتخابات الأولى بعد الحرب، في ظل واقع مأساوي لما تبقى من المجالس البلدية على مستوى بلديات لبنان كافة، فقسم كبير منها كان منحلاً ويقوم بمهامه القائمقام أو المحافظ أو موظف ما منتدب، وقسم آخر يعاني خللاً في تركيبته جراء وفاة عدد من أعضائه أو تقدمهم في العمر، أو تحكم فيه عامل الهجرة القسرية أو الاختيارية، جراء ظروف الحرب الممتدة لما يقارب 15 عاماً.
وما تبقى من المجالس البلدية كان يعيش حالة تهميش ومصادرة للعمل والصلاحيات من قبل قوى الأمر الواقع، إضافة إلى المشاكل التقليدية التي يعيشها معظم بلديات المناطق والأرياف، الناتجة عن ضعف الإمكانيات المادية والبشرية.
ووفقاً للقانون اللبناني، فالبلدية هي «إدارة محلية، تقوم، ضمن نطاقها، بممارسة الصلاحيات التي يخولها إياها القانون. تتمتع البلدية بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري». ونظم هذا القانون آليات تكوين مجالسها، بحيث يتألف المجلس البلدي تبعاً للتعداد السكاني فيها.
وتعاني عملية الانتخابات البلدية في المنطقة العربية من إشكاليات متعددة، محورها الأساسي هو مدى تطور مفهوم اللامركزية الإدارية لدى الأنظمة العربية المختلفة.
ومن الملاحظ أن عملية التحديث التي تقوم بها السلطات في بعض الدول العربية، وأهمها توجه نحو مشاركة النساء عن طريق التعيين أو عن طريق حجز مقاعد مخصصة لهن «الكوتا»، والتوجه العام نحو اعتماد سن 18 كعامل محدد للاقتراع.
ومن جهة أخرى يتبين من خلال متابعة التعديلات المتلاحقة في الأنظمة الانتخابية، وتحديداً منذ بدايات هذا القرن، توجه نحو التفلت من عملية التعيين في اتجاه الانتخاب.
ورافق قدوم الألفية الثالثة تطور جيد في تحديث وتطوير الأنظمة الانتخابية للسلطات المحلية في غالبية الدول العربية، من خلال توجه نحو مزيد من دعم وتقوية اللامركزية الإدارية لدى هذه الدول.
ففي الأردن، وبعد تجربة انتخابات العام 2003 ومن أجل تصحيح الخلل القائم من عدم تمثيل النساء في المجالس البلدية، أقدمت الحكومة على خطوة تعيين امرأة في كل مجلس. هذا الأمر تلافاه القانون الانتخابي الجديد 2007، الذي نص على تخصيص 20% من مقاعد المجالس البلدية للنساء بشكل «كوتا» محجوزة المقاعد.
بهدف تأمين تمثيل المرأة في المجالس البلدية. وفي آخر عملية انتخابات بلدية جرت في الأردن في 31 يوليو 2007، تنافست 361 مرشحة من النساء على 211 مقعداً بلدياً، هي مقاعد الكوتا المخصصة للنساء، أي 20% من 1022 مقعداً بلدياً.
وقد ظلت المرأة الأردنية مغيبة عن الوصول إلى عضوية المجالس البلدية لغاية العام 1995، حيث تم تعيين 99 سيدة في المجالس البلدية والقروية. وفي الانتخابات البلدية قبل الأخيرة التي جرت عام 2003، فازت خمس سيدات وتم تعيين 99 سيدة في المجالس وواحدة رئيسة بلدية.
أما في أراضي السلطة الفلسطينية، فقد جرت في 23 ديسمبر 2004، أول انتخابات بلدية في الضفة الغربية منذ ثلاثة عقود، في حين تأجلت هذه الانتخابات في قطاع غزة بسبب وقوع أعمال عنف أعاقت تسجيل الناخبين، واحتسبت «كوتا نسائية» بنسبة 16% من مجموع المقاعد البلدية والقروية.
وفي قطر حصلت الانتخابات البلدية في الأول من إبريل 2007، لاختيار 27 عضواً من بين 116 مرشحا. وقد فازت امرأة واحدة عن دائرة المطار، ونجحت واحدة بالتزكية في انتخابات «الدورة الثانية» عام 2003. وفي شروط الترشح والانتخاب أن يكون قطريا بلغ الثامنة عشرة ميلادية، وعلى إلا يكون من العاملين في القوات المسلحة أو الشرطة.
أما في سوريا التي جرت آخر انتخابات محلية فيها في أغسطس 2007، فقد أعطى قانون انتخابات أعضاء المجالس المحلية الصادر بالمرسوم 91/1971، حق الانتخاب لكل مواطن سوري أتم 18 سنة من عمره، باستثناء أفراد الجيش والشرطة.
وفي المملكة العربية السعودية لم تشارك المرأة حتى الآن في الانتخابات، رغم أن نص القانون الانتخابي الجديد (2004)، لم يحدد الجنس.
كاتب لبناني