أصبح الخلاف علنيا بين حكومة حزب العدالة والتنمية والجيش في تركيا، حيث اجتمع كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس أركان الجيش بصورة علنية، من أجل التوصل إلى صيغة تهدئة بعدما أعلن عن توقيف عدد من رجال الجيش على خلفية الإعداد لانقلاب عسكري ضد الحكومة.
وخروج مثل هذه الخلافات إلى العلن، وأيضا الإعلان عن توقيف قيادات عسكرية، يعد تحولا مهما في علاقة الجيش بالحكومة، يؤكد نهاية العهد الذي كانت فيه المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للدولة من وراء ستار.
وهذه الواقعة الأخيرة، تعد بمثابة تدشين للحكم المدني الحقيقي في تركيا.والذي يؤكد ما نذهب إليه، هو تصريحات الرئيس التركي عبد الله غول عقب الاجتماع المشار إليه، عندما قال: «إن تركيا ستحل مشاكلها في إطار القانون والدستور».
وجاء في بيان أصدره مكتب غول أنه جرى التأكيد خلال الاجتماع على أن «المشاكل التي تواجهها تركيا في الوقت الحالي ستعالج في إطار القانون والدستور.
وعلى الجميع أن يتصرف بحس من المسؤولية لحماية مؤسساتنا». أما رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، فقد حذر من أن كل من يتآمر ضد الحكومة المنتخبة سيقدم للعدالة، مضيفا أنه «لا أحد في تركيا فوق القانون».
وهذه اللغة التي تصدر عن قياديين في حزب العدالة والتنمية، تبدو وكأنها تعبر عن ثقة بالنفس، وهو الأمر الذي لفت انتباه المراقبين للشأن التركي، حيث أرجع العديد منهم سعي العدالة والتنمية نحو التصعيد في مواجهة الجيش، إلى أمرين؛ الأول أن الحكومة مدركة لأنها ناجحة حتى الآن في تنفيذ برنامجها السياسي والاقتصادي.
بما يعني أن الجيش لن يدخل معها في مواجهة يمكن أن تعيد الأزمة في تركيا إلى نقطة الصفر، والأزمة التي نشير إليها هي الأزمة السياسية والاقتصادية التي ظلت تراوحها تركيا منذ وفاة الرئيس الأسبق تورغوت أوزال عام 1997، وحتى تولي العدالة والتنمية في نهاية عام 2002.
أما الأمر الثاني، فيتعلق بأن كافة استطلاعات الرأي التي تجرى في تركيا تؤكد ارتفاع شعبية الحزب، ومعنى تدخل الجيش ضد «العدالة والتنمية»، أو التصعيد في مواجهة الحكومة التي تنفذ القانون في مواجهة قيادات سابقة فيه.
أن الجيش يتحدى الإرادة الشعبية بما يؤثر على الصورة التقليدية التي ترسخت في أذهان المواطنين الأتراك، منذ أن وصل مصطفي كمال أتاتورك إلى الحكم في تركيا في العقد الثاني من القرن العشرين.
وبالطبع فان حكومة العدالة والتنمية تدرك جيدا وضع الجيش في المجتمع التركي، وبالتالي فان تصعيدها، حتى ولو كان وفق القانون، لا بد وان يكون بحساب، لأن الجيش التركي مازال في معظمه غير راض عن الحكومة، ومازالت قطاعات كبرى فيه ترى أن حكومة العدالة والتنمية تهدد أسس العلمانية التركية.
وبالتالي فان تصعيد الحكومة يمكن أن يؤدي إلى رد فعل سلبي من الجيش، ليس بالضرورة عبر انقلاب عسكري، ولكن هناك أدوات أخرى لدى الجيش يمكنه اللجوء إليها لمضايقة الحكومة والتأثير على أدائها، خاصة وأن الجيش التركي يتمتع بعلاقات جيدة مع معظم الأحزاب التركية، ومنها أحزاب ممثلة في البرلمان.
والحكومة التركية لأنها تدرك وضعية المؤسسة العسكرية وقوة الأحزاب القومية التركية، تنازلت عن برنامجها المتعلق بالمسألة الكردية، ونفذت جزءا من برنامج المؤسسة والأحزاب القومية، وهو المتعلق بالتعامل العسكري والأمني في مواجهة حزب العمال الكردستاني.
مع أن برنامج الحكومة كان يفترض التعامل السياسي مع المسألة من خلال تقديم بعض المزايا الثقافية والسياسية لأكراد تركيا، ولكن ما حدث هو التضييق حتى على الأحزاب التي تتعامل مع المسألة الكردية من منظور حقوق الإنسان.
وبالطبع فإن حكومة رجب طيب أردوغان، لا تريد أن تدخل في صراع مفتوح مع المؤسسة العسكرية، ولا تريد أيضا أن تشغلها قضايا جانبية عن القضايا الرئيسية المتعلقة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، واستمرار استقرار الاقتصاد التركي، أي أنها لا تريد أن تغطي إنجازاتها بمثل هذه الصراعات الجانبية.
إن الخلاف الأخير بين الحكومة التركية والمؤسسة العسكرية، يجب أن يوضع في حجمه الطبيعي، لأنه يعبر عن تحول كبير في السياسية التركية، من زاوية انه أكد أن المؤسسة المركزية في السياسية التركية لم تعد هي الجيش، وأيضا لم تعد هي الحكومة، وإنما هي الدستور والقانون الذي أكد الطرفان المختلفان أنه المرجعية الوحيدة لحل أي خلاف.
والدليل على ذلك أن القضاء التركي الذي يتعامل معه الجميع باعتباره المؤسسة الوحيدة التي مازال العلمانيون يسيطرون عليها، والمفترض أنها في مثل هذا الخلاف تكون أقرب إلى الجيش، اتخذت قرارات بتوقيف قادة عسكريين سابقين، والإفراج التحفظي عن آخرين.
وهذه الأزمة تكشف عن أن الفترة الانتقالية التي كان المراقبون يعتبرون أن تركيا تعيشها، قد انتهت، وأنها بدأت بالفعل في مرحلة استقرار، وأنها بصدد تأسيس جمهورية جديدة، تقوم على التوازن بين النخبة العسكرية والنخبة المدنية.
وليس هيمنة النخبة العسكرية على العملية السياسية، وهو الأمر الذي رسخ نموذجا للدولة لم يعد موجودا في أي من الدول الأوروبية، مما صعب انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن تأسيس الجمهورية الجديدة، يمكن أن يمهد لها الطريق لكي تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي.. ولو في الأمد البعيد.
كاتب مصري