أصبح الإنسان يحيا في فضاء إعلامي وعبر سماوات مفتوحة بغير حدود، من خلال تعدد الشبكات والقنوات الفضائية، وأصبح بمقدوره من خلال الإنترنت الاطلاع على العديد من الإصدارات الصحفية في شتي أصقاع المعمورة في دقائق معدودات، مما عظم من دور وسائل الإعلام في مجال التنشئة الاجتماعية والثقافية.
من خلال ما تمد به الملايين من جمهورها عبر الكلمة المطبوعة والمرئية والمسموعة، مما يريده أو يحتاج إليه من معلومات أساسية عن العالم الذي يعج بمختلف القضايا والأحداث، والتي يستحيل علي المتابع أن يحدد موقفا حيالها.
دون أن يكون لها دور كبير في تحديد ملامح هذا الموقف، والمساهمة بشكل كبير في تشكيل الخلفية المعرفية والصورة الذهنية لكثير من الموضوعات التي لا يستطيع الفرد أن يتوصل إليها عبر التجربة الشخصية.
بل ومن الطريف أن الأدبيات توضح أن لوسائل الإعلام دورا في تحديد أسماء المواليد وطريقة وشكل الملبس وحلق الرأس في بعض البلدان العربية، من خلال الدراما المقدمة.
ومن المعلوم أن الدراسات الإعلامية هي دراسات غربية في الأساس، وعلى الرغم من أنها بدأت في العالم العربي منذ الأربعينات من القرن الماضي، إلا أن الإسهامات العربية أكاديميا في مجال الإعلام محدودة.
والشاهد ذلك هو القصور في البحوث النظرية في مجال الإعلام، حتى الذين ذهبوا في بعثات دراسية إلى الخارج كل ما قاموا به هو نقل الفكر الغربي إلي العقل العربي عبر الترجمة.
لقد اكتفي الأكاديميون العرب بنقل المفاهيم والنظريات الغربية، والتي هي انعكاس لواقع الغرب حسب التكوين الفكري لكل دارس، فضلا عما يدين به العديد من أكاديميات الإعلام العربية لتبعية المدارس الغربية.
هذا الفقر الفكري على المستوي الأكاديمي، كانت له انعكاساته على المستوي المهني والممارسة في العديد من المؤسسات الإعلامية العربية، كنتيجة منطقية لما سبقه.
وتكفي مساحات البث الهائلة للفضائيات التي اكتفى العديد منها بأن يكون شاشات عرض لمواد إعلامية أنتجت لغيرنا، بما تحمله من مضامين وقيم وأفكار لا تتفق بالضرورة مع نسقنا القيمي، حتى العربي منها استوحي الشكل والمضمون من الإعلام الغربي.
فما بالك ببرامج التشهير والمباهاة بارتكاب الأخطاء، وتليفزيون الواقع بكل ما يحمله من خلل قيمي. وحتى البرامج الجادة، مثل التوك شو، نقدمها بشكل يشبه صراع الديكة وتكون محصلتها في الأخير صفرا، وصحف كثيرة تبنت معادلة روبرت مردوخ للبيع، فقدمت نموذجا لصحافة النميمة والبحث عن الفضائح.
والقائمة طويلة، إلا أن أخطر أشكال التبعية يأتي في المجال الإخباري، نتيجة سيطرة وكالات الأنباء الكبرى في العالم علي نوعية الأخبار المقدمة وتحديد درجة أهميتها، فما تعتبره من الأخبار مهما تعتبره وسائل الإعلام العربية كذلك، والعكس صحيح.
ومن واقع معرفتي لبعض المؤسسات الإعلامية العربية، يحدث أحيانا أن يقدم المراسل خبرا تختلف وقائعه عن تلك التي أوردتها وكالات الأنباء، فتفضل المؤسسة نشر رواية الوكالة الأجنبية وتهمل رواية مراسلها مهما كانت ثقتها في كفاءته، إيثارا للسلامة!
وامتدت التبعية في بعض وسائل الإعلام العربية للمصطلح المستخدم، وهنا تظهر مكامن الخلل اللغوي بشكل كبير، حيث يتم تكريس المصطلحات التي تذاع في الإعلام الغربي في إعلامنا العربي، بتردديها كما هي دون تمحيص أو تدقيق، كأن يقال إن سبب قيام الانتفاضة الفلسطينية هو «زيارة رئيس وزراء إسرائيل» للمسجد الأقصى.
باستخدام لفظ «زيارة» وليس انتهاكا وتدنيسا لحرمة مكان مقدس لدى المسلمين، أو يقال لا بد من وقف الحرب بين الطرفين أو العنف والعنف المضاد، وكأن هناك توازنا في القوى بين الطرفين، واستخدام عبارة «الأراضي المتنازع عليها».
بما يوحي أنه لم يثبت يقينا ملكية أي طرف لها وأنها محل نزاع! وأحيانا نسمع كلمة بناء «مستوطنات غير شرعية»، بما يعطي الشرعية لغيرها من المستوطنات، أو مقتل عدد من الأطفال الفلسطينيين عبر إطلاق متبادل للنيران مع الجنود الاسرائليين، بما يعطي انطباعا للمستمع أن من الجائز أن من قتلهم هم بنو جلدتهم..
والصادم أننا نجد الإعلام العربي يردد مصطلح «حائط المبكى»، بديلا عن حائط البراق والبقعة التي عرج منها نبينا صلى الله عليه وسلم للسماء، وكأننا نجهل تاريخنا. أو استخدام مصطلح الجدار العازل بدلا من جدار الفصل العنصري.
وخلال الاعتداء الغاشم على لبنان، ردد بعض المحطات الغربية «مقتل العديد من الأطفال وكبار السن خلال العمليات المصاحبة للقتال»، بما يوحي أنه أمر طبيعي يحدث في المعارك ولا داعي للانزعاج، ورددتها بعض المحطات العربية.
والخطورة أن بعض المصطلحات تتجاوز حدود اللفظ، لأن لها مدلولا قانونيا إذا تم تردديها وقبلها المجتمع الدولي، كأن نقول «الانفصاليون في الشيشان»، مثلا، فمعني ذلك أنه لا يجوز لأي منظمة أو هيئة دولية التدخل، باعتباره أمرا داخليا بين الجزء والكل..
والقائمة طويلة. من هنا أدعو الأكاديميين وأهل اللغة والممارسين والخبراء والمهتمين والمهمومين وكل من له صلة، لنحت مصطلحات إعلامية تعبر عن واقع الأحداث لا زيفها.
بعيوننا لا بعيون غيرنا، حتى لا ينطبق علينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه).
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا