مؤلم حادث الراشدية ومقتل صبي، مازالت الدنيا تتفتح بجديدها أمام عينيه اللتين أغمضهما الموت، مؤلم حال الفتية الذين وصلوا إلى ثقافة التعاطي بالموت والدم، مؤلم أن يصل شجار وكلام سباب، حسب رواية الحادثة، إلى كل هذا الحزن.
ومرعب هو سؤال المستقبل عن ما ينقل صبية إلى سلوكيات وأفكار خطرة، تلغي القانون وتلغي الأسرة والمجتمع وتصل إلى درجة الاقتصاص، وكأننا في مدينة من المدن الموبوءة بالإجرام.
سؤال للتربية وسؤال للتعليم، وسؤال لدور الأسرة، وسؤال كبير للمجتمع، الذي بدأ يحيد عن مساره الذي كان عليه، وسؤال أكبر عن ثقافة الجريمة، وسؤال يتبعه عن المناخ العام، الذي يعيش تحت وطأته جيل يافع تضرب به تيارات في الجهات الأربع في آن واحد ودون هوادة.
لا يمكن الحديث عن تفاصيل الحادث المأساوي، فهذا مصيره ملف لدى الجهات الأمنية المختصة والقضاء وبقية الملابسات، لكن ما لا يمكن قبوله، هو أن يتحول الطعن بالسكاكين وموت شاب إلى أمر سهل، أن يتحول الاكتراث إلى عادة سهلة، أن تفلت أمور الجيل إلى هذا الحد.
ليس لنا بالتفاصيل، وهذه الحالة لا تنطوي على نفسها، ولكنها تعيد شريط الذاكرة والتاريخ إلى حوادث مشابهة، وكان السؤال، نفس السؤال، أمامها، ما الذي يجعل الأرض تتقبل بذور هذا الشر الشرس؟
وأمام البحث عن إجابة نجبر جميعنا، نحن الذين نعرف طبيعة هذه الأرض وطبيعة مناخها أنها لم تكن يوماً على هذا الحال، نحن الذين ما زالت رائحة التراب ورائحة الماضي الأصيل تسافر من بين أضلعنا، ذلك الهدوء والأمان، وصبية الحي الجميلون، يوم لم يكن هناك غبار غريب، ولا رياح غريبة، نحن.
حينما نقرأ الواقعين، بين الأمس واليوم، نشعر بالفرق الكبير، نشعر بالتحول الكبير، نشعر بالقلق الكبير، بالرغم من أننا في تلك الأيام كنا لا نملك إلا كتاتيب صغيرة، ومدارس على «قد الحال»، وكان الحي كله أسرة واحدة، كل الآباء آباؤنا وكل الأمهات أمهاتنا.
وكل من في الحي اخوة واخوات لنا، يوم كانت طبيعة المجتمع مثالية إلى حد «الحسد»، ونبكي على الفرق بين الأمس واليوم. نبكي كثيراً من أسباب جرح الانسلاخ الأعظم.
مؤلم ومحزن حادث الراشدية، لجهة طرفيه، لأنه يمضي إلى الاتجاه الذي يقلق ويخيف، هذه الثقافة التي تسيطر لا تنتج ثماراً طيبة؟ وهذا الانسلاخ الذي نسلم أبناءنا لمصيره لا يدعو إلى الراحة. الغبار الغريب يكبر ويسيطر ويؤثر ويفرض أمراضه شئنا أم أبينا.
