في طموحات الاستراتيجية الثانية للحكومة، دفع واضح وصريح في اتجاه تمكين التكامل بين الاتحادي والمحلي، وهذا التمكين بلا شك سوف يسعى، بالإضافة لعمليات التجسير والربط والتناغم، إلى نوع من التماثل في المصالح والمكاسب، ورفع سوية الأداء.. وبلا شك أيضاً التحديث والتطوير، وهذا الأخير لا يمكن فصله عن التطوير في الكوادر والطاقات البشرية، وبالتالي التطوير في الكادر الوظيفي الذي يعاني من فروقات وفجوات كبيرة بينهما.
فالمحليات تختلف في ما بينها في تشكيل بيئات محفزة وجاذبة لطالبي الوظيفة من المواطنين، وبيئات طاردة في ظل وجود بدائل، والاختلاف لا يقع فقط بين وضع الاتحادي ووضع المحلي، بل بين المحلي والمحلي وبين إمارة وأخرى، وهذا الأمر بلا شك يؤدي إلى هجرات الطاقات البشرية نحو الأفضل.
صحيح أن هذه الهجرة هي في مكانها في نهاية المطاف، طالما أن هذه الطاقات البشرية تبقى خادمة للوطن في أي شبر منه، إلا أن هذا يؤثر حين النظر إلى التوزيع الجغرافي لها. وهذا أيضاً ما يخلق تفاوتاً بين أداء دائرة محلية في إمارة وأخرى في إمارة ثانية، وتخلق البيئتان تفاوتاً بينهما وبين الاتحادي.
العكس أيضاً صحيح، حينما تبدو الوظيفة في دائرة حكومية محلية أكثر إغراءً من الوظيفة ذاتها في الحكومة الاتحادية. فروقات كبيرة نتجت عن غياب التكامل وعن غياب المسحة الشمولية.
وهذا بالتأكيد يؤثر على نوعية الأداء ونوعية الإنتاجية، حيث يزحم طاقات بشرية خلاقة في مكان ويفرغها من مكان آخر، فلا تتساوى الكفة ويغيب التعادل في السوية المطلوبة، وينعكس في المجمل العام على تغذية تلك الفجوة التي يعاني منها الواقع اليوم وتؤدي إلى الاختلافات.
هذه نقطة يهتم بها قطاع واسع من الناس، حينما يناقشون أحلامهم وطموحاتهم في تمكن الاستراتيجية الجديدة للحكومة من رأب الصدع بين المحلي والاتحادي، أو طموحات التكامل والشمول في كل مؤسسات ودوائر وهيئات البلاد، بغض النظر عن كونها اتحادية أو محلية. فالاستراتيجية الجديدة، وبقراءة ما بين السطور في المحددات التي طرحتها كأهداف منشود تحقيقها في المرحلة المقبلة، تحمل أحلاماً تسكن قلب كل مواطن.
فحينما تصبح بيئات العمل متساوية متكاملة تنبع من رؤية وطنية واحدة، تصبح محفزاتها واحدة أيضاً، فالتكاملية تعني نهضة وتنمية ذات جغرافية وملامح واحدة، تستجيب دفعة واحدة للمتطلبات والطموحات وتلك الأحلام.
نحتاج كثيراً ونحن في طريقنا وأسلوب اجتهادنا لكي نقطف ثمار رؤى الاستراتيجية الثانية، إلى مراجعات جريئة، خصوصاً لجهة المحلي الذي تفرض ظروف المرحلة الحالية أن يقفز قفزات نوعية كبيرة في بعض الإمارات، ونحتاج إلى قرارات تدعم التطوير، وتجعل بيئات العمل قابلة للتعاطي مع تلك المطالب المرحلية.. حتى لا تبقى أهداف الاستراتيجية أحلاماً وردية فقط.
