أوروبا تعيش هذه الأيام حالة من الهلع، وهو هلع يتجاوز مجازر الحروب الدموية اليومية التي تعودنا عليها نحن في الشرق الأوسط. إنه هلع اقتصادي ومصيري.
وبدأ الاتحاد الأوروبي يدق نواقيس الخطر في ما يتعلق بهذه الوحدة التي تهددها الأوضاع الاقتصادية المتردية لبعض أعضائها. أما البعض الآخر فربما يعلن إفلاسه عندما يحين دوره: أسبانيا، البرتغال، اليونان، والآن تشير المؤشرات إلى أن فرنسا ليست أوفر حظاً من سابقاتها.
جبل جليد الأزمة الأوروبية هذا لا تظهر منه حالياً غير قمته التي تجلس جمهورية اليونان عليها القرفصاء، في انتظار صيفها الحار نسبياً ليساعد قليلًا على ذوبان الجليد، فإما أن تغرق بأكملها وتجر معها دولًا أوروبية أخرى أو تشعر بالدفء إن استطاع المهددون حولها سحبها إما إلى إحدى جزرها الجميلة وإما في أسوأ الحالات إلى قمة جبل جليد آخر.
جمهورية أفلاطون وسقراط وأرسطو على حافة الإفلاس المادي وليس الحضاري بالطبع. وللأسف فإن الإرث الثقافي لا يطعم خبزاً. والشعب اليوناني يصطف هذه الأيام أمام أفران الخبز بعد أن كان يتلذذ في السابق بالموساكا والجيميستا أو فورنو والسوفلاكي! والحكومة برئاسة جورج باباندريو حائرة بين الإجراءات الاقتصادية المهلكة للشعب وبين الاحتجاج الشعبي المهلك للإجراءات. ولا يوجد لدى اليونانيين حل وسط.
اليونان تواجه اليوم أكبر أزمة اقتصادية منذ أكثر من 17 عاماً. هذه الجمهورية التي استقلت عن الإمبراطورية العثمانية عام 1821 وأصبحت بعد ذلك نظاماً ملكياً ثم تحولت إلى جمهورية عام 1975 وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 1981، يقوم اقتصادها كله على مصدرين: السياحة والصناعة البحرية لا غير.
وعدد سكانها البالغ 11 مليون نسمة بالكاد يستهلك ما ينتجه. ورغم الصناعات الخفيفة، فإن اليونان لم تعرف كدولة صناعية من الوزن الثقيل، ونادراً ما تصدر منتجاتها للخارج. وقد دفعت اليونان ثمناً باهظاً لقبول انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي أجبرها على الالتزام بمعايير ونسب محددة للحفاظ على التوازن في الإنتاج الصناعي والزراعي.
ولكي تظل اليونان ضمن معايير وشروط الاتحاد الأوروبي في كل صغيرة وكبيرة كان لزاماً عليها أن تعدل من سياستها وتقوم بتطوير بنيتها التحتية على جميع الصعد، ما كلف خزينتها مبالغ باهظة وفراغات هائلة لا يقدر اقتصادها على سدها. فقفز التضخم إلى أعلى مستوياته خلال سنوات قليلة وأسقط في يد الشعب البسيط المعتدل في طريقة حياته.
واضطر لأن يجاري الفرنسي والإيطالي والأميركي في طريقة لبسه وأكله ومعيشته واقتنائه لإكسسوارات الحياة العصرية الفائضة على اللزوم، فغابت الطبقة الوسطى وازدادت طبقة الفقراء فقراً، وازدادت طبقة الأغنياء غنى. وجاءت الأزمة العالمية لتكشف المستور في عديد من دول العالم وخاصة أوروبا، وكان أول ضحايا الاتحاد الأوروبي اليونان.
وحينما تقع الدولة بأكملها في شبك المديونية، فإن الحال لا يسر أحداً؛ لا الحكومة التي طالبها المنتخبون بتطبيق برامجها التي كانت تنادي بها أثناء حملاتها الانتخابية، ولا المعارضين الذين بدؤوا بالتهكم عليها.
ولا الشعب عموماً الذي تطالبه الحكومة بدورها بربط الأحزمة والتخلي عن أحلامه الوردية، ولا حتى الجيران المطالبين بدعم جارتهم التي إن تهاوت تهاووا خلفها الواحد تلو الآخر في محيط اليورو. الغريب في الأمر أن اتفاقية ماسترخت تحظر تقديم أي نوع من المساعدة لدولة تقع في منطقة اليورو تعيش حالة إفلاس.
الكل كان يعتقد العكس، فحينما تتأزم دولة في منطقة اليورو تهب - كما هو الحال عند العرب - كافة دول الاتحاد الأوروبي لإنقاذها، إلا أن الواقع غير ذلك. فالاتكال على الغير - كما هو الحال عند العرب أيضاً - لا يوصى به في دول متقدمة اقتصادياً كأوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
على اليونان إذاً أن تصنع لها طوق نجاة اقتصادياً ينقذها من الغرق. بمعنى آخر، المطلوب منها أن تضع على الطاولة مقابل خطة تقليص النفقات، خطط مشروعات تنموية جادة ومقننة مقنعة تشجع من خلالها الاتحاد الأوروبي على دعمها.
خاصة أن الأزمة الاقتصادية اليونانية ليست نتيجة أسباب خارجية فقط وإنما أيضاً داخلية، تتمثل في التهرب من دفع الضرائب وإهدار المال العام والفساد وسوء التخطيط، حسب تصريح أحد المسؤولين اليونانيين. إن إنقاذ اليونان من قبل الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى سيولة.
وهذه السيولة موجودة في جيوب المواطنين الأوروبيين الآخرين من خلال الضرائب التي سيدفعونها لخزينة الدولة، فهل سيرضى الأوروبيون بمشاهدة هذا المنظر؟ إنها مسألة تثير الاستغراب.
إن الثقوب السوداء في أزمة اليونان الاقتصادية المتمثلة في عجز كبير في ميزانية الدولة، والمديونية الخارجية وأمور أخرى لا يسع المجال لذكرها، قد تبتلع بعد قليل إيطاليا وإسبانيا ومن ثم دول أوروبية أخرى. وبذلك يصبح الاتحاد الأوروبي على كف عفريت يعوم في بحر إيجه.
اليوم ضاعت ثقة الاتحاد الأوروبي باليونان، فهل سينتظر الأوربيون سقوط اليونان عملياً حتى يكتشفوا بعد فترة من الزمن أن سقوطها كان على رؤوسهم وحدهم؟
جامعة الإمارات