يبدو أن عدوى نزع الأسلحة النووية قد انتقلت إلى أوروبا، إذ أعلن منذ فترة قريبة أن ألمانيا والنرويج تعدان مشروعاً للمناقشة خلال قمة الناتو التي ستعقد في إستونيا في أبريل المقبل، لإجلاء الأسلحة النووية الأميركية المنتشرة في القارة الأوروبية.
ومن الواضح أن هذه التحركات تتعارض مع الخطط الأميركية، وهو ما عكسته تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، والتي دعت الأطراف الأوروبية للتريث، في نزع السلاح النووي، حتى لا يؤثر ذلك في القدرات العسكرية الأميركية.
ويبدو واضحاً أن ألمانيا هي المحرك الرئيس لهذه المبادرة، باعتبار أن أكثر من 400 رأس نووي قامت واشنطن بتخزينها على الأراضي الأوروبية، منها نحو 20 قنبلة وصاروخاً في ألمانيا فقط. ما دفع قطاعاً واسعاً من الأوساط السياسية الأوروبية للاعتقاد بوجود مخاطر حقيقية من توريط أوروبا في الصراعات النووية التي يمكن أن تتفجر.
وقد عبر جيدو فيستيرفيل وزير الخارجية الألماني بشكل صريح عن موقف بلاده، معتبراً أن الأسلحة النووية المتبقية في ألمانيا من مخلفات الحرب الباردة، ولم يعد لها أي معنى من الناحية العسكرية. فيما أعربت كلينتون عن قلق واشنطن من إثارة هذا الموضوع للبحث من جانب دول أوروبا القديمة، باعتبار أن سياسة الردع هي السبيل لضمان أمن أوروبا والولايات المتحدة، ولا ينبغي أن تكون موضع تساؤل. وسارع السكرتير السابق لحلف الناتو جورج روبرتسون لانتقاد الموقف الألماني واعتبره غير مسؤول.
ولعل هذا الموقف يعكس التباين في المواقف داخل الناتو بين دول أوروبا القديمة من جهة، والولايات المتحدة ودول أوروبا الجديدة (أوروبا الشرقية) من جهة أخرى. إذ تكشف المبادرة الألمانية عن تقييم مختلف تماماً لمخاطر وجود الأسلحة الاستراتيجية النووية الأميركية على أراضي القارة الأوروبية.
فيما تفتح دول أوروبا الشرقية حدودها أمام أي أنواع من الأسلحة الأميركية مقابل الدعم المادي، دون أي اهتمام بإمكانية تعريض شعوبها ومصالحها لمخاطر نشر الأسلحة النووية على أراضيها.
إلا أن واشنطن تحاول جر الأوروبيين إلى التسلح النووي، عبر ربط مساعيها لنشر صواريخها الاستراتيجية الهادفة ؟ على حد تعبير واشنطن - لحماية أوروبا من الأسلحة النووية الروسية. بل يروج بعض السياسيين الأوروبيين لاختلال التوازن النووي العسكري بين روسيا والولايات المتحدة في نطاق القارة الأوروبية.
وتتحرك الولايات المتحدة نحو تعزيز وجودها العسكري في القارة الأوروبية، وعلى الرغم من أن نشر «باتريوت» وغيره من الأنظمة المضادة للصواريخ التي تنصب في أوروبا الشرقية لا يمثل في حد ذاته خطراً على أمن روسيا. فإنه خطوة نحو نشر منظومة الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا في إطار الحدود الدفاعية لحلف الناتو.
والتي يجري بناؤها طبقاً للتصميمات الأميركية دون مشاركة روسيا. وهو ما يكشف عن أن دوائر محددة في الولايات المتحدة تسعى لإبعاد روسيا عن إقامة منظومة الدفاع الصاروخية في أوروبا.
لقد دعا الرئيس دميتري ميدفيديف الدول الأوروبية إلى عقد معاهدة أمنية تلزم أطرافها بالتعاون لحفظ أمن أوروبا. وأرسلت روسيا مسودة المعاهدة المقترحة إلى الناتو والاتحاد الأوروبي منذ شهور عديدة.
وأعلنت الدبلوماسية الروسية آنذاك أن هذه المبادرة تهدف إلى إنشاء مجال أمني واحد في منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي، إلا أنها ربطت نجاح التعاون مع الناتو في المحافظة على أمن أوروبا باستعداد الحلف لتغيير سياسته.
ورغم أن حلف الناتو لا يقع في مقدمة سلم المخاطر التي تهدد روسيا، لكن موسكو لابد من أن تلجأ إلى نشر صواريخها المتطورة عند حدود روسيا الغربية. لأن قمة الناتو المقبلة قد تكون نقطة تحول نحو تغيير سياساته التي لا ترى عدواً لها سوى روسيا.
وقد لا تصل إلى هذه النتيجة. لذا وحتى يتحقق ذلك ستكون روسيا مضطرة إلى التعامل مع خطط الغرب الساعية لمحاصرتها، ولتهديد أمنها القومي. ولا شك أن حجر الزاوية في الخطة الروسية سيكون منع الولايات المتحدة من مد شبكتها التي خصصت لأغراض اعتراض الصواريخ المهاجمة لأوروبا وليس إنشاء أي شبكة واقية مشتركة.
خبيرة الطاقة الروسية