معظم المقاربات والاجتهادات المعنية بمتابعة شؤون الداخل الفلسطيني وشجونه السياسية والكفاحية، تجهل الفروق الجوهرية بين قوى التيار الإسلامي الناشطة. قله قليلة من أصحاب الرؤى والمحللين هم الذين يمكنهم التعرض لهذه القوى، من دون الوقوع في محاذير الخلط والتعميم والعجز عن الإلمام بالتمايزات بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي الشهيرتين من ناحية وبين ما بات يعرف بجماعات «السلفية الجهادية» الأحدث عهداً من ناحية أخرى.

إذا أحسنا الظن، أحلنا هذا القصور المعرفي إلى غلبة تأثير الخصائص المشتركة بين كل هذه القوى.. من حيث نسبتها إلى المفهوم الإسلامي للمقاومة ومنظورها الديني للصراع على أرض فلسطين وجوارها، واعتقادها جميعا بعدم صلاحية المنظورات الأخرى المتداولة للتعبئة والنضال ضد العداء الصهيوني الغربي وكيفيه التصدي له ودحره، وشكوكها في جدوى الجهود الدولية الحقوقية والمساقات التفاوضية السياسية لتحقيق هدف إزالة الاحتلال الإسرائيلي عن أرض فلسطين وتحريرها، واعتبار هذه الأرض وقفاً إسلاميا لا ينبغي التفريط فيه بالمطلق.

هذه علاوة على ان كافه هذه القوى والجماعات تعتقد بان العرب والمسلمين مقصرون في أداء الاستحقاق الجهادي (القتالي) المطلوب لمقارعة التحالف الصهيوني بشقيه اليهودي والمسيحي الغربي.. وأن هذا التقصير يرقى إلى مصاف تغييب أحد الفرائض في العقيدة الإسلامية. غير ان هذه الخصائص الجامعة لا تنفي وجود عناصر اختلاف أخرى تبرر ضرورة عدم وضع الجميع في سلة واحدة.

ويبلغ تأثير هذه العناصر الطاغي حد احتمال وقوع الصدام الدموي بين بعض هذه القوى والجماعات، على غرار ما حدث بالفعل في منتصف أغسطس 2009، يوم اشتبكت قوات تابعة لحماس مع ما يسمى بجماعة سلفية في أحد مساجد مدينه رفح، مما أدى إلى مصرع 24 شخصا وأصابه 130 آخرين بجروح!.

تتصل أبرز مظاهر الاختلاف في هذا الإطار بحدود الحركة الكفاحية التي تتبناها القوى الإسلامية واسعة الانتشار (حماس بخاصة) مقارنه بالسلفيين الاقحاح. كما يتباين الفريقان في تصوراتهما للعلاقة والتواصل مع المنظمات الاسلامية ذات التوجهات «الجهادية العالمية» وعلى رأسها تنظيم القاعدة.

بيان ذلك، أن حماس تركز على المصالح الفلسطينية الوطنية المحلية، وتوجه طاقتها الايديولوجية التعبوية والحركية السياسية المدنية والعنيفة ضد إسرائيل حصرياً. هذا في حين يذهب السلفيون إلى إدراج الأجانب، حلفاء إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة، ضمن أهدافهم. وبينما لا تتحرج حماس من التهدئة وتعليق عمليات العنف مع إسرائيل، فان الجماعات السلفية تدين هذا التوجه وتنحو إلى ما يسمى بالمقاومة الخالصة.

من جهة أخرى، لا تحبذ حماس العمل على أسلمه المجتمع الفلسطيني بالكامل والتطبيق الحرفي لرؤاها الشرعية الدينية. أما السلفيون فأنهم يستمرئون التعجيل بفرض الشريعة، حتى إنّ أحد زعمائهم (عبد اللطيف موسى) أعلن عن إنشاء «إمارة إسلامية في قطاع غزه»!

الأمر الذي سارعت حماس إلى إحباطه في المهد بالقوة. عموما، إذا كان البعض يرمي حماس بالتطرف فان الجماعات السلفية تبدو أكثر تطرفا وتشددا وراديكالية بكثير لجهتي الفكر والحركة. ومع أن الصراع مع إسرائيل والمنظومة الغربية الداعمة لها يشغل حيزا معتبرا في البرنامج السياسي الدعائي والتعبوي لكل أجنحة التيار الإسلامي الفلسطيني، إلا أن حماس تظل أكثر مرونة وعقلانية.

كما تظهر حكمة أعمق في أدراك المعطيات والمحددات الصارمة وموازين القوى التي تحيط بهذا الصراع قياسا بالسلفيين. وتتجلى بعض معالم هذا التباين الصارخ في عدم وقوع حماس في شباك الخطاب الجهادي الزاعق والمفتوح عالمي الطابع الذي يردده تنظيم القاعدة. وهو موقف لا يحظى بتعاطف السلفيين، الذين يشاطرون هذا التنظيم في رؤاه ويتحرقون لشراكته في جدول أعماله الايديولوجى والحركي (الصراعي العنفي) الواسع.

بكلمات أخرى، فانه في حين تجتهد حماس ومناصروها من القوى الفلسطينية الإسلامية في حصر الصراع في حدود فلسطين التاريخية، فان الجماعات السلفية تنحو للحديث والتصرف باسم الأمة الإسلامية ونيابة عنها.. تماما كما يفعل تنظيم القاعدة.

ومع ذلك، فان التلاقي بين الجماعات السلفية الفلسطينية والقاعدة ما زال يحاور في دائرة النظرية ولم يدخل حيز التطبيق والصلة التنظيمية. وتظهر الوقائع أن تنظم القاعدة لم يقتنع بعد بهذه الجماعات ولا سعى إلى احتضانها والتواصل المبرمج المتدفق أو المنظم معها.

ضمن التبريرات والتقديرات الشحيحة لهذا الموقف الحذر، يقال بان تنظيم القاعدة ينتظر بفارغ الصبر حتى يتمكن هؤلاء السلفيون «العشوائيون» من تكتيل أنفسهم واثبات جدارتهم غير الكلامية في الساحة السياسية والقتالية قبل الترحيب بهم وطيهم تحت عبائته. كذلك يقال بان السلفيين الفلسطينيين هم الذين يبادرون بالتعبير عن رغبة الانضواء في زمرة «القاعديين»، على نحو يصح وصفه بالحب من طرف واحد..

لا مصلحة للقضية الفلسطينية في تدحرج هؤلاء السلفيين إلى حوزة القاعدة وتحول هذه العلاقة إلى حب متبادل موثق (منظم). فمثل هذا المستجد قد يعزز الدعاوى المغرضة بشأن انتشار «الإرهاب الفلسطيني» لاسيما لدى القطاعات التي ابتلعت هذه الدعاوى في جهات لا علم لها تفاصيل الصراع الصهيوني العربي الممتد.

علاوة على هذا الاحتمال، لنا أن نتخيل مدى الفوضى التي ستنجم عن ازدحام الساحة الفلسطينية بتنظيمات منمنمة، تتنافس على كسب ود تنظيم مطارد إقليميا ودوليا.

ندفع بذلك وفي الذهن أننا إذا كنا بصدد تنظيمين إسلاميين كبيرين منضبطين على هذه الساحة (حماس والجهاد)، فان الساحة ذاتها تزخر اليوم ـ بزعم البعض ـ بالجماعات السلفية، التي منها بلا حصر: جحافل جند الله؛ جند أنصار الله؛ مجموعه جلجلات؛ حركه فتح الإسلام؛ عصبه الأنصار؛ جماعه جيش الأمة، جماعه جيش الإسلام...

والحق أن هذه الجماعات التي تتكاثر بلا ضابط ولا بصيرة تبقى محدودة كميا وواهية نوعيا.. لكننا نعلم أيضا أن النار قد تأتى من مستصغر الشرر.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com