لا شك أن موسكو ترى في استئناف التعاون مع فرنسا خطوة هامة تساعدها على تطبيع علاقاتها مع القارة الأوروبية، خاصة بعد الأزمة التي واجهتها هذه العلاقات خلال حرب القوقاز صيف عام 2008. ويمكن القول إن زيارة الرئيس ديمتري مدفيديف إلى العاصمة الفرنسية تأتى في إطار تقريب المواقف، وتحقيق المصالح المشتركة.
لقاء الرئيسين الفرنسي والروسي حقق خطوات أساسية في هذا الإطار،حيث توصل ساركوزى ومدفيديف إلى اتفاقات محددة ستمكن الأليزيه والكرملين من تحقيق نقلة نوعية في مسيرة تطوير العلاقات التجارية الاقتصادية بين البلدين، خاصة في مجالات النشاط المصرفي، والاستخدام السلمي للطاقة الذرية، والطيران، واستكشاف الفضاء.
ويمكن القول إن ملفات التعاون الاقتصادي أصبح لها الأولوية في العلاقات بين البلدين، وقد توسع التعاون الروسي ـ الفرنسي في قطاع الطاقة بعد الاتفاقية التي عقدتها شركة «غاز بروم» مع شركة (EdF) الفرنسية، والتي سيحصل الشريك الفرنسي بموجبها على حصة في خط أنابيب (السيل الجنوبي) لا تقل عن 10%. كما أن الشركات الفرنسية أصبحت تشكل محوراً مهماً في قطاع صناعة السيارات الروسي. وقد حققت مبيعات «Renault» التي افتتحت عام 2005 مصنعا لتجميع سياراتها في موسكو، واستثمرت فيه 250 مليون دولار أكثر من 70 ألف سيارة سنويا.
وقد وقعت الشركة الفرنسية عقد شراكة مع شركة «افتوفاز» (لادا) التي تنتج 70 في المائة من السيارات المصنعة في روسيا، تحصل شركة «Renault» الفرنسية بموجبه على 25% من أسهم «افتوفاز»، على أمل أن تتعاون الشركتان على تحسين نوعية منتجات «افتوفاز» (لادا)، عبر تبادل الخبرات الصناعية والتسويقية، لزيادة إنتاجها داخل روسيا وللتصدير إلى الأسواق الخارجية.
ولا بد وأن يقود التعاون الاقتصادي بين البلدين إلى تقارب في الملفات السياسية، خاصة أنه لا يوجد خلافات جوهرية بين البلدين في القضايا الأساسية التي تمس الأمن الدولي. ولعل ابرز الملفات التي يسعى الكرملين للتوافق فيها مع الأليزيه التوصل إلى معاهدة إقليمية تستند إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتوضح معنى عامل القوة في العلاقات ضمن المجتمع الأوروبي ـ الأطلسي.
وسيكون من الممكن في إطارها حل مسائل الأمن والمراقبة على الأسلحة في أوروبا، على أن تتضمن هذه المعاهدة آليات رقابة على التسلح والبناء العسكري ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات غير الشرعية.
وكان الموقف الفرنسي خلال اللقاء الأخير مخالف للموقف الأوروبي الذي عبر عنه سولانا منذ عدة شهور، إذ أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أن فرنسا تعتزم الاستمرار في التعاون مع روسيا في مسألة توقيع اتفاقية الأمن الأوروبي كشريك في هذه المسألة.
وهذا لا يعنى وجود توافق في المواقف بين موسكو وباريس، إلا انه يعكس رغبة فرنسية في الحوار والتفاهم. كما أن فرنسا التي سبق وعرضت تبنى مؤتمر دولي لتسوية الأزمة الشرق أوسطية، لم تمانع في التنازل عن مقترحها لصالح مؤتمر موسكو الدولي، وهو ما كشف عنه لقاء مدفيدف ـ ساركوزى.
حيث وشدد الرئيس ميدفيديف في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي ساركوزي على ضرورة اتخاذ إجراءات لتحريك عملية السلام في الشرق الأوسط من نقطة الجمود.
وأكد أن هذا المؤتمر يجب أن يعقد في العاصمة الروسية، مشيراً إلى استعداد روسيا للعمل في إطار مقترحات أخرى، بما فيها المقترح الفرنسي.
لاشك أن النهوض بالعلاقات الروسية ـ الفرنسية يحتاج لمزيد من الحوار والجهود، إلا أن لقاء ساركوزى ـ مدفيديف كان خطوة هامة نحو الوصول إلى تفاهم بين البلدين على أولويات المصالح الأوروبية والعالمية.
إذ يدرك الكرملين أن مصالح روسيا ترتبط باستقرار علاقاته مع العواصم الأوروبية، وهو ما يجب أن تدركه أوروبا. وأن تتخلص من الأوهام التي تبثها بعض دول أوروبا الجديدة والناجمة عن ارتباطها بفلك السياسية الأمريكية.
أن التعاون الروسي ـ الأوروبي يضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي ليس فقط للقارة الأوروبية وإنما أيضاً لروسيا وبلدان القوقاز ووسط آسيا،ولاشك أن تحقيق الاستقرار لهذا التكتل الدولي سينعكس وبشكل مباشر على أمن المجتمع الدولى. وسيؤدى لنقلة نوعية في مواجهة مخاطر عديدة ومتنوعة مثل الإرهاب، وسيمكن أطراف المجتمع الدولي من التخلص من تداعيات الأزمة المالية العالمية.
كاتب روسي