في السابع من مارس الجاري، سوف يتوجه العراقيون، نأمل أن يتوجهوا كلهم وليس بعضهم، إلى صناديق الاقتراع، للمرة الثالثة منذ سقوط النظام السابق في التاسع من إبريل 2003.

لانتخاب المجلس النيابي الجديد، في أجواء حاسمة يمر بها العراق، أجواء أنضجتها ظروف موضوعية خاصة، قلصت الخيارات أمام مواطنيه إلى حد كبير، إذ لم تعد هذه الخيارات كثيرة.

ولا أقصد هنا بقلة الخيارات، قلة عدد الكتل السياسية المشاركة في الانتخابات، ولا قلة عدد من وضعت أسماؤهم في لافتات الدعايات التي غطت شوارع وساحات المدن العراقية، وإنما أقصد تقلص مساحات المتاهات التي أضاع فيها الناخب العراقي صوته، وأضاع نفسه، وأوشك أن يسهم في ضياع بلده.

في الانتخابات النيابية الماضية، حين كان منقاداً، بحسن النوايا الطيبة التي جبل عليها الإنسان العراقي البسيط، إلى الولاء والطاعة لمرجعيات دينية أو عرقية أو عشائرية أو مناطقية، لتنفيذ أجندة فاقمت من مشكلات العراق، وأسهمت في رجوعه مسافات طويلة إلى الوراء.

ما يميز الحملات الانتخابية التي تقوم بها الائتلافات والكتل السياسية، هو أن معظم المرشحين فيها يدعون إلى التغيير، وتتشابه إلى حد كبير برامجهم الانتخابية.

وهذه مسألة تستوجب التوقف، لأنها ضرورية، فواقع العراق الحالي يتطلب التغيير فعلاً، من أجل أن تكون مسارات المستقبل أكثر وضوحاً، ومن أجل أن تتم مقاربة القضايا المهمة بما يتناسب مع أهميتها.

ولكن، من الذي يستطيع أن يقود عملية التغيير؟ السؤال هذا يضعنا أمام تجارب التاريخ، فالتغييرات تأتي عادة في منعطفات حادة في حياة الشعوب، تستوجب توافر ظروف موضوعية وبيئة محلية وأخرى إقليمية مناسبة، وتتطلب إرادة قوية مستقلة مدعومة بقوة، وتتطلب وجود قيادات مؤهلة، فكراً وممارسة، للتغيير.

معظم الائتلافات التي تقدم نفسها مرشحة في الانتخابات المقبلة، هي في الحقيقة تكرار لما هو سائد في الوقت الحالي، وقيادات هذه الائتلافات لم تتغير، فقد خبرها المواطن العراقي على مدى السنوات المنصرمة في السلطتين التشريعية والتنفيذية، فما الذي دعاها لرفع شعارات التغيير الجذابة؟

أهي قناعتها بضرورة مغادرة الحاضر إلى مستقبل مختلف؟ أم لأنها مصممة على الاستمرار في التمسك بمقاعد الدولة والسلطة، فتبنت ما أفرزه نبض الشارع المحبط الذي قرر أن يفرض التغيير، لأنه قرر رفض هذا الحاضر الذي كفر به؟!

التغيير الذي يحتاجه العراق، ليس تغييراً في موقف سياسي ينبع عن براغماتية يمارسها سياسيون محترفون، تتلون شعاراتهم، رياءً، باللون الذي يرون فيه الشارع، وليس امتطاءً لموجة غضب عارمة وتصدر مقدمتها، وإنما موقف إيديولوجي استراتيجي، ينبع عن قناعة قوية بدواعي التغيير، ومن انتماء حقيقي للوطن.

بكل ما يتطلبه هذا الانتماء من تخلٍ عن تفاصيل هوية حصرته في جدران انتماءات لم يكن له رأي في اختيارها، ويقاد بدوافع أخلاقية نبيلة، ليس لشخصه أو للقريبين منه مصالح خاصة في تبنيها.

ويتطلب هذا التغيير أطراً عقلية، ترحب بما هو جديد من أفكار ومناهج وأساليب عمل، وتتقن استخدام الأدوات المناسبة للتغيير المرجو.

في ضوء ذلك، يحق لنا التساؤل حول ما إذا كانت قيادات بعض الكتل السياسية والأحزاب التقليدية، التي تؤدي دورها على خشبة المسرح السياسي منذ أربع سنوات، سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية، دون أن تتمكن من إخفاء الوجوه الكالحة التي تكمن خلف الكواليس.

قادرة من خلال إيديولوجياتها ومن خلال ما اعتادت على ممارسته، أن توفر برنامجاً حقيقياً للتغيير، وتوفر مساحات تحتضن أدوات التغيير وأفكاره ووسائل تطويره وأجندة الدفاع عن تفاصيله!

هناك من يبالغ في تفاؤله بإمكان تحقيق التغيير، وذلك لأنه لا يقدر حجم هذا الطموح، ولا يقدر مدى ضعف الأدوات المتاحة له، ولا مدى حجم الممانعة له، ولا مدى دهاء من قرر أن يتبناه لغرض السيطرة على ساحاته من أجل مسخه.

ولا مدى ضيق المساحة والحذر الشديد المشوب بالتردد، وربما النوايا الخفية، التي يتحرك فيها العراب الكبير للعراق الجديد، الولايات المتحدة الأميركية.

القيادات التقليدية التي تعايش معها العراقيون، مكرهين لا مختارين، على مدى السنوات الأربع المنصرمة، تصنف من الناحية الأكاديمية على أنها قيادات محافظة، تنتمي إلى اليمين السياسي، هذا إذا جاز لنا إضفاء هذه التسمية على بعضها.

ولكن ذلك ليس أمراً معيباً في عالم السياسة، وليس سبباً للإخفاق والفشل، فقوى اليمين السياسي، في معظم دول الغرب، قد لعبت دوراً كبيراً في بناء بلدانها، ولدينا أمثلة على ذلك في الحزب الجمهوري الأميركي، أو حزب المحافظين البريطاني، أو الحزب الديغولي الفرنسي.

إلا أن القيادات العراقية تختلف عن هؤلاء اختلافاً كبيراً، أبرز معالمه هو البعد عن روح العصر، وعدم تفهم معالمه، فعقليات بعضها تتحكم فيها مسارات منغلقة غير قابلة للانفتاح على تقبل التغيير، إلا في التفاصيل ثانوية الأهمية، وهي من هذا المنطلق غير قادرة على قيادة عملية التغيير، وذلك لأنها ليست قادرة على تغيير نفسها.

ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، بل يتعداه إلى عدم توافر النوايا الحقيقية لدى هذه القيادات لبناء العراق، بحجم توافر النوايا لتحقيق المكاسب الشخصية أو الطائفية أو العرقية، أو غير ذلك مما لا يتفق مع مقومات برنامج يستطيع انتشال العراق من المستنقع الذي هو فيه.

التغيير الأكبر الذي سيكون لمصلحة العراق، هو مجيء من يتحلى بالجرأة في اتخاذ قرار الإدانة، والتخلي عن ما سموه في السنوات الأربع المنصرمة، دجلاً ورياء، «ديمقراطية التوافق»، أي توافق زعماء الكتل النيابية الكبيرة على اقتسام المغانم، وإلغاء دور المجلس النبابي المنتخب.

ما أفرغ العملية السياسية من المحتوى الديمقراطي، وكرس في ظله تقسيم المجتمع العراقي إلى مكونات توسع من الخنادق التي تحيطها، وأصبح العراقيون يتوجسون من بعضهم البعض، وليس من أخطار خارجية تحيق بهم، وذلك تجسيداً لهدف أكبر هو تحويل العراق من قوة إقليمية قائدة في منطقة الشرق الأوسط، إلى قزم سياسي هزيل يحمل في جوفه مقومات دماره.

السابع من مارس فرصة للتغيير لا يمتلك العراقيون خيار إهدارها، فهل سيتمكنون من توظيف غضبهم

ومعاناتهم الطويلة، في صناعة قرارات التغيير؟

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae