بالرغم من أن المطر زائر يبقى غريبا علينا، لزياراته الشحيحة، ولتباعد مواعيد حضوره، مرتين أو ثلاثاً في العام الواحد، إلا أن آثاره على البيئة والناس والممتلكات كبيرة وخسائرها اكبر.
وبالرغم من أن الجهات لدينا صاحية وواعية في حرصها على سلامة الناس، فان التحذيرات تبدأ باكرا من اجل إجراءات السلامة والمحافظة على أرواح البشر وممتلكاتهم، لكن حين تحين الواقعة، تنكمش كل الأمور، وتنطلق التبريرات في محاولة لرأب الشرخ الذي تطل منه «الفضيحة» بوجهها.
في المناسبات الكبرى لا يتوانى أهل الشأن عن إطلاق التصريحات الرنانة حول البنى التحتية ومتانتها، وملامح الرفاه، وحينما يكشف الواقع ما يكشفه من عيوب تصبح الحقائق واضحة وبارزة.
لسنوات طويلة يكون المطر بركة ومستنقعاته في الأمكنة نفسها ولسنوات طويلة تستعد البلديات وأقسام المجاري بما أوتيت من قدرة وقوة لمواجهة تلك البرك، التي حفظ أمكنتها العمال وصاروا أكثر دراية وخبرة فيها من ذاك المسئول. لكن في كل عام أيضا لا تتطور الأمور ولا تتغير ولا تتبدل. وكأن هذا المسئول يقول: هي مرة في السنة، لا داعي لكل هذه الضجة.
الذين تضرروا بتراكم برك مياه الأمطار وسبحوا في بحيراتها وغرقت بيوتهم ومحتوياتها، والذين انحبسوا في سياراتهم ساعات طويلة، وتعطلت مصالحهم والحياة التي شلت حركتها، والتلاميذ والطلاب الذين حرموا من مدارسهم، كل هؤلاء هم وحدهم يشعرون بمدى تأثير أخطاء غياب الخدمات التي يتشدق بوجودها المسئول!!
الآن، لماذا تصل بنا زخات المطر الجميل الذي ننتظره في مواعيده المتباعدة، إلى هذا العناء؟ لماذا حين ينهمر المطر عندنا لسويعات تغرق البلاد والبيوت؟ بينما تنهمر الأمطار في بلدان الله ليل نهار ولا يشعر بضررها أهلها؟
ابسط موظف في أي بلدية من بلدياتنا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، شبكة تصريف مياه سليمة، لم تطلها يد الغش، شبكة طرق مرصوفة رصفا سليما، لم تطلها يد الغش، مبانٍ مشيدة على حسابات هندسية محسوب فيها ظروف البيئة والمناخ لم تطلها يد الغش، مخططات سليمة سكنية تتوفر فيها شبكة بنى تحتية متكاملة لم تطلها يد الغش.
أحياء سكنية لا تنساها الخطط التطويرية، ولا يفرق بين مستويات قاطنيها، ولا تذهب مصالحها نتيجة نظرة دونية، حيث ما زالت هناك أحياء «فايف ستار» تهيأ لها الإمكانات، وأحياء «درجة ثالثة ورابعة» أو على هامش الاهتمام، وهذا أيضا غش!
إذا اعتدل الميزان في كل هذه الأمور لن يصبح هطول المطر كارثة، بل سعادة وجمالاً، مطر يأتي نفرح به، يغسل الأرض والمباني ويلمع أوراق الأشجار، مطر يروي العطشى ويزيد الدنيا بهجة، لا يعفر وجهها بالطين والطمي ويغرق أشياءنا الجميلة!
