تبدو الحياة كأشكال هندسية مختلفة، لكل منا شكل يراها عليه.. ربما لا يكاد يتفق اثنان على الشكل نفسه للحياة، لكن هناك أشكالا متقاربة.. كلما كثرت الزوايا في الشكل الذي نرى الحياة عليه.
فهذا يعني أن نظرتنا للحياة شديدة التعقيد، وأننا نرى العقبات أكثر من النجاحات، وتتضاءل مسافات الدروب السهلة المنبسطة في أعيننا، أمام الدروب الشائكة الوعرة..
والعكس صحيح، فكلما قلت الزوايا كانت الحياة في نظرنا أكثر سهولة وانبساطًا وخلوا من الصعوبات، أو تكاد تكون كذلك.
بعض الناس يعشقون الزوايا الكثيرة، لذلك تبدو الحياة لهم شكلا ذا زوايا لا عدد لها ولا حصر، فلا يكادون يتجاوزون زاوية إلا ويجدون أنفسهم في مواجهة زاوية جديدة، والأمر كأنه طبيعي بالنسبة لهم، لأنهم ـ حتى إن تذمروا من الوضع ـ لا يسعون لتغيير طبيعة نظرتهم إلى الحياة، ولا يقومون بمحاولة تغيير طريقتهم في قضائها..
وكأن انتقالهم من زاوية إلى زاوية لا يثير استياءهم وانزعاجهم إلى الدرجة التي تشعل الثورة في نفوسهم، كي يلقوا بعدساتهم القديمة خلف ظهورهم ويستبدلوا بها عدسات أخرى أكثر بهاء وإشراقا، يمكنهم أن يطلعوا على الحياة من خلالها.
وهناك صنف من الناس لا يكاد يرى زوايا تُذكر في حياته كلها، فينتقل من مرحلة لأخرى ومن طريق لآخر بانسيابية وسلاسة، وكأن الحياة في عينيه شكل مستدير أو بيضاوي، أو شكل آخر غير محدد لكنه قليل الزوايا، لا يكادون يتوقفون كثيرا عندها، وهم على العموم لا يتوقفون في محطات الحياة المختلفة التي يمرون بها، حتى إن كانت صعبة أو عسيرة.
مثل هؤلاء الناس يمكنهم أن يعيشوا حياتهم بالطول والعرض، كما يُقال، لأنهم لا يتوقفون كثيرا عند بعض المحطات المزعجة.. عند تلك الزوايا مهما كان نوعها.. لا يقضون الكثير من الوقت عند ما يعرقلهم أو يثير ضيقهم أو استياءهم، إذ لديهم القدرة على التجاوز والنظر للأفضل الأبعد.. للقادم الأجمل، لأنهم يؤمنون أن القادم أجمل دائما.
القدرة على تجاوز العقبات والصعوبات، أو لنقل التحديات، الكثيرة التي تواجهنا كل يوم، أمر ليس هينا إطلاقا. وقد تكون مَلَكَة يحظى بها البعض ويفتقدها البعض، لكنها في رأيي ممكنة الاكتساب، بشرط أن يتحلى الإنسان بشيئين مهمين: الرغبة في التغيير، والصبر. قد نضيف إليهما أيضا الاعتراف بالخطأ أو بالنواقص>
وهو أمر عسير على معظمنا، لا يستطيع القيام به إلا قلة من الناس ممن رحم ربي، إذ من الممكن أن يعترف الواحد منا أمام نفسه فقط بخطئه أو بنواقصه، وكثيرون لا يجرؤون على القيام بذلك حتى أمام أنفسهم، وبصوت منخفض أو سرا بينه وبين نفسه، فكيف يمكن أن يقوم بذلك أمام الآخرين!
لكن مثل هذه الخصلة مهمة لمن أراد أن يغير أمرا في نفسه، كتغيير طريقة النظر إلى الحياة، وهو أمر أكبر بكثير من هذه الكُلَيْمات التي يُكتَب بها.. إنها بداية التغيير، والخطوة الأولى في طريق أفضل من الطريق السابق.
ولو عدنا لأشكال الحياة وزواياها، سنجد أن بين هذين الصنفين المذكورين من الناس توجد أصناف كثيرة، وتقع بين هذين الطرفين جماعات لا نهاية لها من الناس، تتفاوت في طريقة نظرتها للحياة، وتختلف الأشكال التي يرسمها ذهن كل صنف منها للحياة عن تلك الأشكال المرسومة في أذهان الآخرين.
من المهم الإشارة إلى أن الزوايا ما هي إلا أمر معنوي ذهني، لكن له تمثيلا على الواقع من خلال العقبات التي يوجدها الإنسان لنفسه، والتعقيدات التي يقوم بها أحيانا فتنعكس على مسار حياته عموما، فهذه الزوايا صنعة بشرية وليست بصمة قدرية، وكل إنسان منا مسؤول عن عدد الزوايا الموجودة في الشكل الذي يرى الحياة عليه.
كما تهم الإشارة أيضا إلى أن التقليل أو التكثير في عدد الزوايا هو أمر في أيدينا، وليس مفروضا علينا نتيجة أي قوة خارجية، بل هو أمر داخلي لأبعد مدى..
لذلك يمكن لبعض الناس أن يصنع زاوية في أي شكل هندسي، حتى لو كان مستديرا أو بيضاويا، أي حتى لو كان شكلا لا زوايا له أساسا، فالإرادة البشرية يمكنها أن تفعل أي شيء.
إلا أننا نستطيع توجيه هذه الإرادة الخارقة التي يتحلى بها الإنسان، وأن نجعله قادرا على مسح الزوايا التي يراها في شكل الحياة الخاص به، أو تقليلها على الأقل، بدلا من خلق زوايا جديدة عند أولئك الذين يعشقون الزوايا دون أن يشعروا.
جامعة الإمارات