عاش اليهود في زمن الاتحاد السوفييتي حياة عادية مع باقي الشعوب السوفييتية، وتعرضوا للاضطهاد الذي كان يتعرض له الباقون من القوميات الأخرى، لكن التركيز كان على معاناة اليهود بالتحديد.

لأنه كانت هناك منظمات ودوائر يهودية في الغرب لها نفوذ كبير، فكانت تبرز معاناة اليهود وكأنهم وحدهم الذين يعانون دون غيرهم.

ورغم هذا لم تتهم أية جهة غربية الاتحاد السوفييتي بالعداء للسامية، ذلك أنهم كانوا يتهمونه باضطهاد الشعوب السوفييتية كافة، وكانوا يصنفونه على رأس قائمة الدول الخارقة لحقوق الإنسان، ولهذا لم يشاءوا أن يتهموه باضطهاد اليهود وحدهم، حتى لا يكسب الاتحاد السوفييتي تعاطف شعوب كثيرة في العالم كانت تكره اليهود.

لكن الحقيقة أن الاتحاد السوفييتي لم يكن يضطهد اليهود بالتحديد لمجرد أنهم يهود، لكنه فقط كان يتعامل معهم بحذر لدواعٍ أمنية، نظرا لضعف انتمائهم للبلدان التي يعيشون فيها، وهم الوحيدون الذين كانوا يهاجرون بشكل جماعي وبتوصيات ومساعدات من جهات أجنبية.

الآن، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بعقدين من الزمان، ما زال اليهود في الفناء السوفيتي يشكون من الاضطهاد، وأصبحوا يرفعون في وجه الآخرين شعارات المعاداة للسامية، التي أصبحت سكينا على رقاب الكثيرين في الغرب، لكنها حتى الآن ليست لها قيمة تذكر في معظم جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

لأنها تأتي ضمن انتقادات كثيرة من الغرب، في إطار حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، وغيرها من الشعارات التي لم تترسخ بعد في المجتمعات السوفييتية السابقة.

ومن الملاحظ أن الحديث عن اضطهاد اليهود في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، يتركز بالتحديد في الجمهوريات السلافية الثلاث؛ روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، وهي الجمهوريات التي تسكنها غالبية من القومية السلافية ومن المسيحيين الأرثوذكس الشرقيين.

ولكن هذا ليس هو السبب في ظاهرة اضطهاد اليهود هناك، بل السبب أن هذه الجمهوريات الثلاث كانت هي نواة تأسيس الاتحاد السوفييتي بقيادة موسكو، وما زال الغرب يخشى عودة النموذج السوفييتي في هذه الجمهوريات.

ولهذا نلاحظ نشاط اليهود السري يزداد فيها أكثر من غيرها، الأمر الذي يدفع السلطات إلى التعامل معهم بحزم وبشدة، يصورها البعض بأنها اضطهاد لقومية معينة وعداء للسامية.

وأفادت معلومات أوردتها مصادر إعلامية، أن السلطات الروسية سمحت لمنظمة يهودية دولية تدعى (سوخنوت)، بعقد مؤتمرها السنوي هذا العام في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، إلا أن السلطات الروسية سحبت سماحها أخير.

بسبب ارتباط هذه المنظمة التي توجد مكاتبها في 58 بلدا حول العالم بما فيها روسيا، بشخص غير مرغوب فيه اسمه «نيفزلين»، كانت قد أدانته محكمة روسية بتهمة الوقوف وراء جريمة قتل، وهرب من العقوبة إلى إسرائيل.

ويعدّ نيفزلين من كبار ملاك شركة «يوكوس» النفطية، ويعتبر معارضا نشطا لرئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين، وهو في الوقت نفسه عضو في مجلس أوصياء «سوخنوت».

وفي أوكرانيا حذرت دينا بورات، الأستاذة في جامعة تل أبيب، من (نمو مخيف) للمشاعر والتحرشات العدائية تجاه اليهود في أوكرانيا، حينما جرت الاستعدادات لانتخابات الرئاسة الأخيرة، وخاصة من القوميين المتعصبين.

وفي بيلاروسيا أفسد سفير إسرائيل أجواء المؤتمر الدولي الخاص بحوار المسيحيين واليهود الذي احتضنته مدينة مينسك، حين أخبر المؤتمرين بأن اليهود المتدينين يعانون الاضطهاد في بيلاروسيا، وحمّل السلطات البيلاروسية مسؤولية مصائب اليهود.

وذكر على سبيل المثال أن المعبد اليهودي في مدينة غرودنو يتعرض لاعتداءات مستمرة من متعصبين قوميين، بينما الشرطة لا تبدي أي اهتمام ولا تسعى لوقف مشاعر العداء للسامية التي تنمو في بيلاروسيا.

وأكثر ما يغضب السفير الإسرائيلي، هو أن رئيس بيلاروسيا الكسندر لوكاشينكو أهان اليهود في ديسمبر 2007، حين قال أثناء زيارته لمدينة بوبرويسك البيلاروسية، إن اليهود لوثوا هذه المدينة بقاذوراتهم لأنهم لا يهتمون بالنظافة.

قد تكون هناك بالفعل مشاعر عداء وكراهية لليهود في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، لكنها بالقطع، مثلها مثل ما كان في زمن الاتحاد السوفييتي، «ليست من فراغ»، بل لها أسبابها الجوهرية التي يتحمل فيها اليهود أنفسهم المسؤولية الكبرى.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru