لم يكن مفاجئاً للعارفين بالوضع في في مخيم عين الحلوة، ما أعلنه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل أيام، من أنه «متخوف من أن يتحول المخيم إلى نهر بارد آخر»، في إشارة إلى المعارك الطاحنة التي اندلعت بين الجيش اللبناني ومقاتلي «فتح الاسلام» قبل سنتين.
وأدت إلى تدمير المخيم برمته، وسقوط مئات الضحايا من أبنائه ومن جنود الجيش، فضلاً عن تشريد اهله الذين لجأوا إلى مخيمات أخرى أو إلى انسباء لهم في الشمال، أو إلى المجمعات المؤقتة التي اقامها الجيش على ارض المخيم، في انتظار إكمال عملية إعادة إعماره التي تستغرق سنوات أخرى.
مخيم عين الحلوة يشهد منذ شهور وبشكل متواتر، مواجهات مسلحة بين حركة «فتح» الفصيل الاكبر في المخيم، وتنظيمات «جهادية» أبرزها جند الشام و«عصبة الأنصار».
فما هو واقع المخيم اليوم؟ وما سبب هذه التخوفات التي عبر عنها محمود عباس وسواه من المسؤولين الفلسطينين أو اللبنانيين؟
مخيم عين الحلوة هو أكبر مخيم للاجئين الفلسطينين في لبنان، نشأ عقب النكبة الفلسطينية عام 1948، ويضم نحو مئة ألف لاجئ. يقع على كتف مدينة صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، وثالثة المدن السنية الكبرى، والتي تضم أقلية شيعية ذات وزن وبقايا العائلات المسيحية من أبناء المدينة.
صيدا مدينة الرئيس رفيق الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، ومسقط رأس الزعيم الصيداوي الناصري معروف سعد الذي يتولى زعامة تياره نجله النائب أسامة سعد.
تيار مصطفى سعد معروف أيضاً بحسن علاقاته مع المحيط الشيعي وتنظيماته، ومع الفصائل الفلسطينية. وهو على صراع حاد ومزمن، مع التيار الغالب في المدينة، تيار الرئيس رفيق الحريري وشقيقته النائبة بهية الحريري.
لذلك، فإن المدينة صورة مصغرة عن الخلافات السنية ـ السنية، فضلاً عن أنها تستقبل أي توتر سني ـ شيعي في البلاد، بسبب متاخمتها لمنطقة الزهراني التي تعتبر واحدا من معاقل حركة «أمل».
في مخيم عين الحلوة، اليوم أربع مرجعيات سياسية ـ حزبية كبيرة:
- حركة «فتح» التي ما زالت تمثل الثقل العسكري الاكبر، رغم انها لم تعد تحتكره أو تدعي القدرة على الحسم السهل والسريع مع سائر الفصائل.
- تحالف الفصائل الفلسطينية التقدمية، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جورج حبش) والبجهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة)، وقد تراجع حضور هذين الفصلين بعدما كان شديد القوة في نهايات القرن الماضي.
- تحالف «الفصائل العشرة» التي تنسج علاقات وثيقة مع دمشق، كالجبهة الشعبية ـ القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، وبقايا تيار «الصاعقة».
- تحالف حركة «حماس» وحركة «الجهاد الاسلامي» التي تملك نفوذاً كبيراً في المخيم. وحديثاً، دخل فصيل جديد إلى الخريطة الفلسطينية، يتمثل في «عصبة الانصار» ذات التوجهات «الجهادية» الأصولية، وهو الذي دخل في اشتباكات دامية مع حركة «فتح».
لكن المسألة الطارئة منذ أشهر، قوامها أن الجيش اللبناني يرصد منذ فترة تسلل عناصر من «القاعدة» إلى داخل المخيم، وتغلغلها بين التنظيمات الأصولية التي باتت على صلة وثيقة معها.
وقد حصل هذا الدخول بعد فرار مئات من عناصر «القاعدة» من الشمال، إثر سقوط مخيم نهر البارد وانتشار مقاتلي «فتح الاسلام» في مخيمي برج البراجنة في بيروت، وعين الحلوة في صيدا.
السلطة اللبنانية في مواجهة هذه المستجدات، أوفدت إلى عمان ودمشق ضباطاً كباراً في المخابرات العسكرية، من أجل بحث وضع المخيم مع حركتي «فتح» و«حماس» وتطويق آثار دخول مقاتلي «القاعدة»، واقترحت إعادة الاعتبار إلى «الكفاح المسلح».
كإطار أمني يتولى ضبط المخيم، في حين أن ثمة اقتراحات فلسطينية لتشكيل لواء فلسطيني على غرار «جيش التحرير الفلسطيني»، يكون هو المسؤول عن ضبط الحركة المسلحة وتنظيم العلاقة مع السلطات اللبنانية.
ما هو وجه الخطورة في وضع المخيم؟
الخطورة الأولى تكمن في أن حركة «فتح» لم تعد قادرة على الحسم العسكري من غير كلفة بشرية كبيرة، بسبب تزايد نفوذ الحركات الاسلامية، والعلاقات العائلية والمناطقية التي تشدها إلى أبناء المخيم، كما بسبب الاكتظاظ البشري الكبير داخل المخيم، مما يجعل أي حسم عسكري ذا تداعيات بشرية هائلة.
أما الخطورة الثانية، فهي صلتها بالحركات الاصولية في مدينة صيدا، وبالمرجعيات الدينية، الامر الذي يجعل أية مواجهة معها داخل المخيم مهددة بالانتقال إلى داخل المدينة، وتفجير تناقضاتها القديمة والحديثة.
ومعروف أن صيدا تقع بمحاذاة إقليم «الزهراني» ذي الكثافة الشيعية، مما يهدد بإشعال المنطقة ككل، في حال مواجهة بين السلفيات السنية ـ الشيعية المتداخلة سياسياً وعشائرياً.
الخطورة الثالثة، تتمثل في أن المزاج الفلسطيني ليس مستعداً لتحمل نتائج مأساة جديدة على غرار مأساة «نهر البارد»، ستنعكس سلباً، حتماً، على العلاقات اللبنانية الفلسطينية التي شهدت تحسناً كبيراً في السنوات الاخيرة، بفعل التنسيق الدائم بين الجيش اللبناني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
لقد أدت المصالحات السريعة إلى إعادة تبريد الوضع الأمني، داخل المخيم. لكن هذه التهدئة لا تشكل جواباً مقنعاً على المعضلات الأمنية والاجتماعية التي يواجهها المخيم، خصوصاً مع توازن القوى الجديد داخل المخيم.
ومع التصدعات والخلافات داخل حركة «فتح» نفسها، التي لم تعد جسماً متماسكاً كما في السابق، قادراً على إدارة الحركة السياسية الفلسطينية، سواء داخل الأرض المحتلة، أو في مخيمات الشتات.
فمن يضمن ألا تتجدد الاشتباكات.. وتتحرك «الخلايا النائمة» ل«القاعدة» في صيدا، كما حدث في طرابلس والضنية والمنية، فنكون أمام مأساة لبنانية ـ فلسطينية جديدة؟
كاتب لبناني