انتهت الجولة الثانية من المفاوضات غير الرسمية التي عقدت بين المغرب وجبهة «بوليساريو» في إحدى ضواحي نيويورك في حضور الجزائر وموريتانيا، من دون تحقيق اختراق كبير في المواقف التي لا تزال متباعدة بين الطرفين.
لكن الموفد الدولي كريستوفر روس أعلن قيامه بزيارة للمنطقة في وقت لاحق لإجراء مزيد من المشاورات مع الأطراف المعنية، ووصف أجواء المفاوضات التي أجريت في نيويورك بأنها مرّت في أجواء خيّمت عليها «روح الالتزام الجدي والاحترام المتبادل والنزاهة».
وأشار روس إلى أن اقتراحات الطرفين شكّلت موضوع مناقشات بينهما خلال جولة المفاوضات، مؤكدا أن أيّاً من الطرفين لم يتقبل اقتراح الطرف الآخر كقاعدة للمفاوضات المقبلة، في إشارة إلى تمسّك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي، وتمسك بوليساريو بخطة الاستفتاء.
لكنه شدد على أن الأطراف المعنية جددت التزاماتها مواصلة المفاوضات متى أمكن ذلك، ما يعني أن زيارته القادمة التي تسبق موعد عقد اجتماع مجلس الأمن للبحث في تطورات النزاع في أبريل المقبل.
ستركز على درس سبل تسريع العودة إلى المفاوضات، أكان ذلك في إطار جولة ثالثة غير رسمية كما حدث في فيينا ونيويورك، أو في نطاق الجولة الخامسة من مفاوضات مانهاست.
ومن الأمور التي يجب التعامل معها باعتبارها بمثابة اختراق في مسار مفاوضات الصحراء هو حضور الجزائر هذه الجولة من المفاوضات، وهي كانت في السابق ترفض الظهور علانية في أي نشاط تفاوضي خاص بالمسألة الصحراوية بالقول إنها ليست طرفا فيها من الأساس.
وقد اعتبر مراقبون أن مشاركة الجزائر في هذه الجولة تطوراً مهماً في مسار المفاوضات حول الصحراء، ذلك أن الوفدين المغربي والجزائري اجتمعا برعاية الموفد روس للبحث في خلافاتهما التي تتخذ من قضية الصحراء صراعاً محورياً أثر بالسلب على الاتحاد المغاربي.
في حين أن المغرب يرغب في انخراط الجزائر في مسار المفاوضات بصورة أكبر، لأنها تعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يحدث تحولا في موقف بوليساريو بما يدعها تبدي مرونة في المفاوضات.
وإذا كانت مشاركة الجزائر تعد نقطة تحول مهمة في مسار المفاوضات، فإن تصريحات روس الخاصة بعقد جولة أخرى قبل اجتماع مجلس الأمن في ابريل المقبل يعد نقطة مهمة هي الأخرى.
لأن ذلك يؤكد أن المسار مستمر ولم ينقطع ويعطي لمجلس الأمن المبرر الموضوعي الذي يمكن به أن يجدد لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية التي يطلق عليها مسمى «المينورسو» لعدة شهور أخرى، ذلك أن مجلس الأمن أكد أكثر من مرة انه لن يجدد للبعثة إن لم تكن هناك تطورات ايجابية في المفاوضات.
وفي رأي العديد من المراقبين فإن الطرفين يتعاملان بحذر مع المفاوضات، ذلك أن مصادر دبلوماسية ترى أن على رغم استمرار الخلافات بين أطراف المفاوضات، فإن الاتفاق المبدئي على استمرار هذه المنهجية.
يعني خشية أي من الأطراف تحمل مسؤولية فشل المفاوضات، لكن نفس المصادر تعول كثيرا على زيارة روس المقبلة للمنطقة والتي ستتمخض عنها جولة جديدة من المفاوضات، ذلك أن الزيارة ستكون مختلفة عن سابقتها بعدما تكوّنت لديه من خلال جولات المفاوضات التي أجريت تحت إشرافه أفكار وقناعات حول مواقف الأطراف وآفاق التسوية.
ومن المقرر أن تشمل الزيارة كلاً من إسبانيا وفرنسا كما فعل روس في جولة سابقة، لكون فرنسا من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، فيما ترأس إسبانيا الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي الذي يدعم مسار المفاوضات وفق الشرعية الدولية.والدولتان تلعبان دوراً مهماً فيما يتعلق بملف الصحراء، فضلًا عن أن ما يحدث على الأرض هناك يؤثر بصورة مباشرة على امن الدولتين.
والذي يؤكد خشية كل من الطرفين أن يتحمل مسؤولية انهيار المفاوضات، هو أن المغرب لديه خطة جاهزة هدد أكثر من مرة بأن يطبقها من جانب واحد لكنه يخشى أن يؤدي ذلك إلى انسحاب بوليساريو، وقد هدد وزير الخارجية المغربي الفهري بأنه في حال تمادي الأطراف الأخرى وهو هنا يقصد بوليساريو.
لأسباب استراتيجية أو سياسية، في رفض الانخراط في المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي، فإن المغرب سيواصل بناء مؤسساته الديمقراطية. وفُهم أن كلامه ينصرف إلى قرار بلاده وضع نظام جهوي يشمل كافة أقاليم البلاد، ورددت أكثر من مرة أن تنفيذه سيبدأ من المحافظات الصحراوية.
وعهدت الرباط في وقت سابق إلى لجنة خبراء إعداد مسودة مشروع حول هذا النظام الموسع في يونيو المقبل. وخشية المغرب من تطبيق خطته من طرف واحد يرجع إلى أمرين.
الأول: أنه يدرك أن المجتمع الدولي لن يوافق على أن تنتهك قرارات مجلس الأمن وفي هذه الحالة فإن بعض الدول المؤيدة للمغرب سوف تتراجع عن مواقفها المؤيدة له فيما يتعلق بنزاع الصحراء.
أما الأمر الثاني فهو أن قوى دولية سوف تضغط من اجل فرض الحل الخاص بالصحراء من مجلس الأمن، وفي هذه الحالة قد يكون استقلال الصحراء احد الخيارات المطروحة من قبل الجهة التي ستفرض الحل من الخارج.
كاتب مصري