فور إعلان الدكتور محمد البرادعي نيته الترشيح للانتخابات الرئاسية للمرة الأولى، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية، تفجرت طاقات المصريين كل في ميدانه، ووفق ما تمليه عليه اتجاهاته السياسية، بين مؤيدين ومناهضين، وبين من ينتظر الفرصة لإحداث تغيير من أي نوع.

والحقيقة أن ترشح الدكتور البرادعي (أو عدمه) لرئاسة مصر في العام 2011، ألهم الكثيرين لبعث الأمل في النفوس، لدرجة أن بعض الصحف الخاصة بالغت في استقبال الرجل الستيني.

وكما أشار وائل الابراشي رئيس تحرير صحيفة «صوت الأمة» المستقلة «نحن استخدمنا العناوين كعناوين صحافية، بعضها يرقى إلى مرتبة الحلم، فالواقع يقول إن ترشح البرادعي في ظل القواعد الحالية أمر صعب».

فالابراشي يرى أن «طرح البرادعي بديلا حقيقيا حاملا لأحلام الناس، له ثقل داخلي وخارجي وملفاته نظيفة، رغم أنه لا يحمل عصا موسى ولا يجب أن نتعامل معه كصانع أساطير ومعجزات، لكن ذلك نبرره بحاجة الناس إلى منقذ وإلى حلم يخلصهم مما هم فيه من هموم ومشكلات».

ولعل المراقب لحالة الحراك السياسي في مصر، في فترة ما بعد إعلان البرادعي عن إمكانية ترشحه للانتخابات، يلمس مدى التعطش الذي يظهره بعض المثقفين والمبدعين، الذين وجدوا أنفسهم يقفون خلف البرادعي كآخر ورقة في رهان الانتخابات الرئاسية القادمة.

ما دفع أحزاب المعارضة الناشطة لتبني ترشيح البرادعي، والمطالبة بتعديل مواد الدستور التي تقيد الترشح، وخاصة المادتين 76 و77. وكان التعديل الدستوري الذي أدخل عام 2005.

قد فرض على أي شخص يرغب في ترشيح نفسه للرئاسة في مصر، أن يكون عضوا لمدة عام على الأقل في هيئة قيادية لأحد الأحزاب الرسمية، التي مضت على تأسيسها خمس سنوات على الأقل، أما إذا كان المرشح للرئاسة مستقلا، فيتعين عليه الحصول على تأييد 250 عضوا منتخبا في المجالس التمثيلية.

ولكن، مع هذا الهوس بشخص البرادعي الذي يتزايد يوما بعد يوم، تظل التساؤلات نفسها قائمة وفي كل دورات الانتخابات السابقة، والتساؤل الأصعب هو؛ هل يملك أي مرشح أمام مرشح الحزب الوطني الحاكم القدرة على الفوز؟وما حدود الثقة في إمكانية تحقيق هذا الفوز؟ وما الرهانات التي تحدد مستقبل فوزه من عدمه؟

إن الدكتور محمد البرادعي، الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يختلف عن كثير من الشرفاء الحالمين، الذين طالبوا بالتغيير من أجل مستقبل أفضل للتنمية وللعدالة الاجتماعية في مصر.

وطالبوا منذ أمد بضرورة نسف مواد الدستور التي تقيد عملية الترشح للرئاسة، وهنا مربط الفرس، وهذا تحديدا ما يجمع على استحالته أغلب المحللين السياسيين الذين يرون أن عملية تعديل الدستور بعيدة المنال، على الأقل في انتخابات 2011.

ويصر البرادعي، بدعم من أغلب القوى والأحزاب، على مواصلة التحرك السلمي المنظم لتغيير الدستور، واستطاع من خلال نخبة من ممثلي هذه الأحزاب، تأسيس «الجمعية الوطنية للتغيير» التي فتحت الباب أمام الجميع للانضمام تحت لوائها.

سواء من مواطنين عاديين أو أحزاب سياسية أو منظمات مجتمع مدني، فالتغيير الديمقراطي من وجهة نظر البرادعي «قادم بالتأكيد ويعتمد بقوة على الشبان».

ولعل هذا هو الرهان الذي يعتمد عليه البرادعي (الشباب)، حيث تعددت لقاءاته بالشباب الطامح للتغيير من خلال ممثلين عنهم، وقاموا بتقديم التأييد الكامل لخطوته نحو التغيير والترشح.

ورغم ذلك يشدد البرادعي على مسألة غاية في الأهمية، ومن الممكن أن تحقق النجاح وتوفر الضغط المطلوب لتغيير الدستور، وهي بالنسبة له «المفتاح» للأبواب أمام مستقبل مختلف لمصر، ومفتاح البرادعي هو «الأغلبية الصامتة» من المصريين.

التي يرى أنها متى ما انضمت لجمعيته الوطنية فإنها قادرة على إحداث الفرق، لأن المرحلة القادمة هي مرحلة بناء شرعية شعبية للحركة، لإثبات أن مطالب التغيير عامة ولا تخص قوى بعينها.

ولكن هذه الجموع، ومن خلال قراءة التاريخ السياسي لمصر، كانت ولا تزال تعيش حالة من الخمول السياسي لأسباب كثيرة، على الرغم من وعيها السياسي، فهل ينجح البرادعي في حشدها بعد فشل غيره طوال هذه السنين؟

إن العمل السياسي الذي يقوم به البرادعي وغيره من الشخصيات والأحزاب، ينظر له البعض على أنه مجرد استعراضات حزبية لأفراد، ولن يرقى إلى إحداث أي تغيير جذري.

وقللوا من شأن تحركات وتصريحات البرادعي، التي وجدوا فيها مبالغات أقرب إلى الأحلام، خاصة وأن فشل تجربة البرادعي السياسية أو نجاحها منوط بتعديل الدستور، وهو أمر مستبعد.

فهل يجتمع الشعب المصري بمختلف أطيافه على هذا المطلب، أم أن للبعض منه رأيا آخر؟ وهل تميل الكفة لتفاؤل البرادعي ومريديه، أم نحو تشاؤم عمرو موسى في معرض تعليقه على الترشح بقوله إن «الطريق نحو الرئاسة مغلق»؟!

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com