تضمنت الثورة التكنولوجية تطورات مهمة في الحاسب الآلى (computer)، وظهور ال(internet)، وفي الإعلام التليفزيونى وظهور الفيديو وال(DVD)، وفي الاتصال التليفونى، فظهر التليفون المتنقل (cordless) ثم المحمول (mobile)، وفي خدمات المصارف، ونمو بطاقات الائتمان والسحب الآلى من الحسابات المصرفية.

وفي خدمات البريد والفاكس، وفي السلع المنزلية المعمرة، كغسالة الأطباق الأوتوماتيكية (dish washer) والأفران المتناهية السرعة (microwave ovens)، وفي خدمات النقل، فظهرت الحاويات الكبيرة (containers) التي يرد أول استخدام لها إلى الحاجة لنقل المعدات إلى فيتنام.. الخ.

كان من آثار هذه الثورة التكنولوجية، تطور آخر مهم، وهو أن الحجم الكبير للمشروع لم يعد شرطا ضروريا لنجاحه، إذ أصبح من الممكن لمشروعات صغيرة نسبياً، منافسة المشروعات العملاقة وتحقيق ربح مجز.

فظهرت مثلا، في مجال المشروبات الغازية، مشروبات جديدة ناجحة تنافس الشركتين العملاقتين، كوكاكولا وبيبسى كولا. وفي السينما لم تعد هوليوود هي المسيطرة على إنتاج الأفلام، وفي الطيران لم يعد الأمر حكرا على الشركات العملاقة، وقل مثل هذا على خدمات التليفون والتليفزيون.. الخ.

في ظل هذه الثورة التكنولوجية، بدا وكأن من الحمق أن تقيد أيدي الرأسماليين والمستثمرين، وهم الذين يحققون تلك الإنجازات الرائعة في مختلف أنواع الخدمات ونقل المعلومات، وفي تحويل العالم إلى «قرية عالمية واحدة» (One Global Village).

ومن ثم اشتدت الدعوة إلى (Deregulation) أي إطلاق أيدي الرأسماليين والمستثمرين من الأغلال. وتحققت هذه الدعوة بالفعل، واقترن تحققها باسمين شهيرين: الريغانية في الولايات المتحدة والتأتشرية في بريطانيا، نسبة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، اللذين حكما الدولتين طوال الثمانينات.

ولكن دعوة ال(Deregulation) انتشرت في العالم الغربي كله، بل ووصلت إلى العالم الثالث تحت شعار «الانفتاح الاقتصادي»، والى العالم الاشتراكي تحت شعار «الديمقراطية».

في هذه الفترة، أي خلال الثمانينات والتسعينات، أخذ دور الدولة في التراجع، سواء في دول الغرب الرأسمالي، التي أخذت في تقليص دولة الرفاهية والأخذ بالخصخصة، أو في العالم الاشتراكي الذي سقطت فيه دولة بعد أخرى.أو في العالم الثالث الذي أخذ كثير من دوله في فتح أبوابها، اختيارا أو جبرا، أمام الشركات متعدية الجنسيات.

كما تراجعت بشدة قوة نقابات العمال في الدول الديمقراطية، وانقلب نمط توزيع الدخل من الاتجاه نحو مزيد من المساواة، الذي ساد في ربع القرن التالي للحرب العالمية الثانية، إلى الابتعاد أكثر فأكثر عن المساواة.

ليس من الصعب تعداد المزايا التي حققتها هذه الثورة التكنولوجية، وما صاحبها من تخفيف القيود المفروضة على النشاط الخاص، سواء في صورة ارتفاع معدلات نمو الناتج القومي أو تمتع المستهلكين بسلع وخدمات لم يعرفوا مثلها من قبل.

وإن كانت هذه المزايا قد تحققت في العالم الرأسمالي المتقدم، أكثر مما تحققت في دول العالم الثالث والدول الاشتراكية التي انفتحت حديثا على العالم.ومع هذا، فحتى في الدول الرأسمالية، كان لا بد أن تكون لهذه الطفرة نهاية، كما تعودنا من التاريخ السابق للتقدم التكنولوجي.

فمنذ أواخر التسعينات بدأت معدلات النمو والتقدم التكنولوجي في التباطؤ، وإذا بفرص تحقيق مستويات عالية من الربح من وراء إنتاج السلع المادية والخدمات تتضاءل، وإذا بالمستثمرين يتجهون أكثر فأكثر إلى الاستثمارات المالية.

وكأن المستثمر الذي لم يعد يتوقع تحقيق ربح عال من الإنتاج، راح يحاول تحقيقه عن طريق أعمال الوساطة المالية، كالإقراض أو ضمان القروض أو التأمين أو المضاربة بكل أنواعها.

وهكذا نجد أرقاما مذهلة عن الفرق بين معدلات نمو المعاملات المالية، ونمو إنتاج السلع والخدمات. في سنة 1980 كانت نسبة أرباح القطاع المالى إلى أرباح القطاعات الأخرى في الولايات المتحدة، هي نسبة الخمس، فزادت في سنة 2000 إلى النصف.

وإذا نظرنا إلى حجم المعاملات المالية في العالم ككل اليوم، نجده 600 تريليون دولار في العام الواحد، بالمقارنة بمجموع إنتاج السلع والخدمات في العالم الذي لا يتجاوز 6 تريليونات دولار.

إن من رأى في هذا النمو السريع في المعاملات المالية، غير المستند إلى نمو مماثل في إنتاج السلع والخدمات، ما يشبه «الفقاعة bubble» كان محقاً تماماً، فنمو المعاملات المالية على هذا النحو يشبه نمو الفقاعة كبيرة الحجم ولكنها خالية من المحتوى، ومن ثم فهي قد تبدو مبهرة بسرعة نموها، ولكنها هشة لا بد أن تنفجر، وانفجارها هو الذي حدث في سبتمبر 2008.

في ضوء تتبع هذا التطور التاريخى، يجب أن لا نستغرب أن تقوى الآن المطالبة في كل مكان بتدخل قوي من الدولة، فقد سبق أن رأينا مثل ذلك عدة مرات من قبل، عندما يتباطأ النمو الاقتصادي وتتضاءل فرص الربح.

وقد حدث بالفعل هذا التدخل القوي من الدولة، سواء بدعم المتعثرين من الرأسماليين، أو حتى بتأميم كلي أو جزئي، وبزيادة الإنفاق الحكومي في مختلف المجالات، والاهتمام بمصالح ذوي الدخل المحدود في مواجهة البطالة بدرجة أكثر من ذي قبل (أو على الأقل الوعد بذلك).

إن البعض يعلق آمالا في هذا الشأن على مجيء باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة، استناداً إلى ميول أوباما الشخصية وأفكاره، ولكن الأصح في رأيي أن نقول إنه عندما أصبحت الظروف تتطلب تدخلا أكبر من الدولة لصالح محدودي الدخل، جرى البحث عن شخص مثل أوباما ليأتي إلى الحكم.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu