تتحول الأزمة الأفغانية لمشكلة معقدة، لتصبح عقبة حقيقية في طريق تحقيق أهداف السياسات الأمريكية، وتؤثر بشكل سلبي على شعبية إدارة أوباما. ولعل آخر الأنباء من كابول كشفت عن أن أعداد الجنود الأميركيين الذين لقوا مصرعهم في أفغانستان منذ بداية العملية العسكرية في عام 2001 ارتفع إلى 1000 قتيل، وخلال عام 2009 فقط لقي أكثر من 300 جندي مصرعهم.

فيما وصل عدد القتلى في صفوف القوات البريطانية إلى 264 جندياً. ويبدو واضحا أن قرار إدارة أوباما بزيادة حجم القوات الأمريكية ليصبح 100 ألف جندي في بداية أغسطس 2010 لا يبشر بتحقيق أية نجاحات في عملية إحلال الأمن والاستقرار في أفغانستان.

ولا شك أن الاستراتيجية العسكرية الأميركية شهدت تغييرات جذرية خلال العام الماضي، بعد أن تخلى العسكريون الأميركيون عن نظرية الحفاظ على القدرة القتالية للقوات المسلحة الأميركية، واعتماد سياسة رفع درجة التأهب لصد «عدد أكبر من التهديدات الأمنية».

وتختلف الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأمريكية اليوم عن الاستراتيجية السابقة، لأنها تعتبر أن النزاعات المسلحة محور تمويل وأولويات الإدارة الأميركية، وتنص على ضرورة تأهيل القوات الأميركية لإجراء عمليات مختلفة ابتداء من الدفاع عن الوطن ودعم السلطات المدنية وإجراء عمليات تخويف وردع وحتى النزاعات التي تشارك فيها واشنطن.

ويبدو أن تفاقم حدة الصدامات في أفغانستان وزيادة حجم الخسائر العسكرية الأمريكية، دفع إدارة أوباما للتعامل مع هذا الوضع القائم في أفغانستان من منطلق إنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل انهيار حالة الأمن وعودة الحرب من جديد في هذه المنطقة، والتي ستفتح الباب لاستعادة حركة طالبان لمواقعها ونفوذها.

وتواجه واشنطن عقبة في إقناع شركائها في حلف الناتو بأهمية إرسال دعم عسكري لإنقاذ عمليات حفظ السلام في المنطقة، إذ تعارض فرنسا وألمانيا إرسال قوات إضافية، بينما وافقت بريطانيا على زيادة قواتها في أفغانستان. ويسود اعتقاد في العواصم الأوروبية بضرورة تدريب وتجهيز قوات الأمن الأفغانية والشرطة المحلية والجيش الأفغاني بدل التركيز على إرسال وحدات عسكرية جديدة في إطار عمليات عسكرية لمحاربة مقاتلي حركة «طالبان»، وضرورة «أفغنة» عمليات حفظ السلام. ومن الصعب تجاهل هذا الخلاف الذي قد يضعف قدرات واشنطن على تحقيق خطتها.

لذا بدأت في الفترة الأخيرة تدور مفاوضات لإقناع روسيا بإرسال قوات دعم ومساندة للقوات الأميركية المتواجدة في أفغانستان، باعتبار أن القوات الروسية لديها خبرة كبيرة في التعامل مع الواقع في أفغانستان.

إلا أن روسيا من جانبها اكتفت بتقديم مساعدات لوجيستية لدعم الجهود العسكرية الأميركية في أفغانستان، إذ فتحت الطرق عبر أراضيها وأجوائها لشحنات الدعم المرسلة للقوات الأميركية المتواجدة على الأراضي الأفغانية. أكد وزير الدفاع اناتولي سيرديوكوف أن روسيا لن تشارك في العمليات العسكرية الجارية في أفغانستان، ولن تشارك فيها في المستقبل. وذكر أن روسيا تقدم لقوات التحالف ممراً للشحنات غير العسكرية، وتقوم بتدريب وإعداد الكوادر لوزارة الدفاع الأفغانية.

ولا تنوي روسيا التورط مرة أخرى في أفغانستان بعد أن خاضت هذه الأزمة على مدار الثمانينيات من القرن الماضي، وفقدت أكثر من 15 ألف جندي من أبنائها في حرب ضروس، مازالت مستمرة حتى يومنا هذا. إلا أن روسيا تمكنت من الخروج منها بعد هذه الخسائر الفادحة. ولم ترَ موسكو بأساً من الاعتراف بأنها خاضت حربا خاسرة، بل وأدركت أن إصلاح الأوضاع في أفغانستان لا يمكن أن يتم دون مشاركة من الجانب الأفغاني، بل إن العبء الأساسي يقع على عاتق الحكومة الأفغانية وقواتها الأمنية.

ويقول الروس إننا يجب أن نتعامل مع الأزمة الأفغانية وفق المنطق السياسي البناء، لا منطق فرض الهيمنة والبحث عن مرتكزات عسكرية للولايات المتحدة في وسط آسيا، بعد أن فقدت واشنطن مواقعها في أوزبكستان وقرغيزيا.. إلخ، والتي ستمكنها من الزحف بالقرب من الحدود الروسية. بل إن محاولات استقطاب روسيا لإرسال قواتها إلى أفغانستان ليست أكثر من مشروع لتوريطها، وتهدف أيضاً إلى إبعادها عن أهدافها الأساسية وهي حماية أمنها القومي ومصالحها في المنطقة.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru