يقدر العدد الإجمالي لأصحاب المليارات في العالم بنحو 1125 مليارديراً حسب إحصاءات مجلة فوربس الأميركية في عام 2008، منهم 469 في الولايات المتحدة الأميركية، تليها روسيا (87 مليارديراً)، تليها ألمانيا 59 مليارديراً، وقد تأثر جميع هؤلاء المليارديرات بالأزمة المالية العالمية، ولكن بنسب متفاوتة، حيث خسر المليارديرات الأميركيون 300 مليار دولار عام 2009، بينما المليارديرات الروس الأقل عدداً منهم بتسع مرات خسروا 380 مليار دولار.

ويختلف شكل الخسارة بين الاثنين بشكل كبير، حيث تعد خسارة الأميركيين شكلية أكثر منها واقعية ومادية، حيث انخفضت قيمة الأصول التي يملكونها من عقارات وأسهم، لكنها بقيت كما هي ملكاً لهم تنتظر انفراج الأزمة لتعود أسعارها للارتفاع مرة ثانية.

أما المليارديرات الروس فقد خسروا أموالاً فعلية كانت مودعة في صناديق استثمار ولدى بنوك أفلست وأغلقت أبوابها، ولهذا يمكن القول إن الأثرياء الأميركيين خسروا أرباحاً وعائدات سنوية، بينما بقيت الأصول، بينما قرناؤهم الروس خسروا أصولاً وأموالاً.

لكن على الرغم من هذا كله، لم يتأثر أحد من الأثرياء الروس، حيث لم يجع أحدهم، ولم يطرد من عمله، أو من بيته، مثلما حدث للملايين من الأشخاص العاديين، الذين حطمت الأزمة حياتهم، وشردت عائلاتهم، وخربت بيوتهم. هؤلاء المساكين الذين لم يكن لدى أغنى من فيهم سوى بضعة آلاف تعد على أصابع اليد، ولا يعرفون الملايين والمليارات مثل الأثرياء.

لم نسمع أن أحداً من الأثرياء الروس قد بكى أو أصيب بصدمة نفسية أو أزمة قلبية بسبب خسائره، بل على العكس، جميعهم يظهرون على الإعلام مبتسمين وهم جالسون في قصورهم الفاخرة، ويتنقلون بطائراتهم الخاصة وسفنهم البحرية الفخمة والمجهزة على مستوى سبعة نجوم، وحولهم الخدم والحرس الخاص، ولم لا؟

لقد كان الملياردير الروسي أوليج ديرباسكا عام 2008 تقدر ثروته بنحو 28 مليار دولار، وفي مطلع عام 2010 أصبحت 14 ملياراً فقط. وكانت ثروة الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش مالك نادي تشيلسي البريطاني 23 مليار دولار عام 2008، وفي مطلع عام 2010 أصبحت 17 ملياراً.

وهكذا باقي المليارديرات الروس الذين تراوحت خسائرهم ما بين ثلث أو نصف ثرواتهم، لكنهم جميعاً لم تفارق الابتسامة وجوههم، ولم نسمع أن أحدهم أصيب بأزمة قلبية أو عانت أسرته ومن حوله بسبب الأزمة.

الحقيقة أن حديثنا هذا لا يحمل أية شبهة حقد طبقي تجاه هؤلاء، بل كل ما نريد أن نوضحه ونفسره هنا هو سبب عدم تأثر هؤلاء نفسياً وصحياً واجتماعياً من جراء هذه الخسائر الكبيرة في ثرواتهم، والتفسير بسيط للغاية، يكفينا أن نرجع سنوات قليلة للوراء، فقط عقدان من الزمان، وربما أقل، لنرى ماذا كان يملك هؤلاء الأثرياء الروس؟

لقد كانوا جميعاً مواطنين سوفييت في الاتحاد السوفييتي يعملون لدى الدولة، ولم يكن دخل أغنى فرد منهم يزيد على خمسة آلاف دولار في عام كامل، لقد كانوا موظفين في المجتمع الشيوعي الذي لا يعرف الفوارق بين الطبقات، ولقد كان معظمهم موظفين، وربما عمالاً في الشركات والمصانع التي يملكونها الآن، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ومع إعصار الفساد الذي ضرب أركان الدولة في التسعينات، استطاع هؤلاء بمساعدة عصابات المافيا، وأيضا بمساعدة جهات أجنبية، أن يضعوا أيديهم على مصادر الثروات ووسائل الإنتاج.

وعندما جاء الرئيس بوتين في عام 2000، وبدأ حملته على الفساد، قام هؤلاء بتهريب معظم ثرواتهم للخارج، وهرباً من متابعة الحكومة الروسية لهم أودعوها في بنوك سيئة السمعة، تسمح بغسيل الأموال، وفي صناديق استثمار مشبوهة تقبل أموالهم القذرة.

ولأنهم جمعوا ثرواتهم من السرقة والنهب ذهبوا يضاربون بها في البورصات وأسواق المال ليضاعفوا ملياراتهم بسرعة خارقة، ومن البديهي والمنطقي أن من جمع خمسين ملياراً بسرعة خارقة وبطرق غير شرعية لن يبكي ولن يصاب بصدمة إذا خسر نصفها أيضاً بسرعة بسبب الأزمة المالية.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru