حظي اغتيال المناضل الحمساوي محمود المبحوح في أحد فنادق إمارة دبي الشهر الماضي، باهتمام كبير وعلى نطاق دولي واسع، لم تحظ به عمليات إجرامية مماثلة وقعت في بلدان أخرى خلال العامين الماضيين. العملية الإجرامية تحولت إلى قضية لا تزال تشعل أوساطا ودوائر سياسية وحقوقية وإعلامية فلسطينية وعربية ودولية، ولا تزال تداعياتها الكاملة تتفاعل على أكثر من مستوى.

من المؤكد أن المبحوح غادر قطاع غزة في عام 1989، لأنه كان مطلوباً مع بعض من رفاقه للاحتلال على خلفية دوره في تأسيس كتائب الشهيد عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، وأيضاً بسبب مشاركته الأساسية في عمليات صعبة ضد جنود الاحتلال. بعد خروجه من الأرض المحتلة، شغل المبحوح مناصب قيادية ومهمات أساسية، مما يجعله في دائرة استهداف الدوائر الاستخباراتية الإسرائيلية سواء انتقاماً لما قام به، أو للتخلص منه كناشط فاعل في العمل الكفاحي الفلسطيني.

غير أن كل ما يمثله الشهيد المبحوح من أهمية، ومع كل الاحترام لمكانته وتاريخه النضالي، إلا أن هذا كله، لا يكفي لتفسير المدى الواسع من الاهتمام الذي حظيت وتحظى به عملية اغتياله، فلقد قام الموساد باغتيال مناضلين آخرين، لكن تلك العمليات لم تحظ حتى بالقليل من الاهتمام الذي حظيت به عملية اغتيال المبحوح.

بل ربما اتخذت عملية اغتيال المبحوح، أهمية أقل مما هو حاصل، لو أن العملية وقعت في مكان آخر، وحتى لو أن الفاعلين استخدموا جوازات سفر أجنبية وهو ما قد حصل فعلاً في حالات سابقة.

المسألة إذاً تتصل بالدرجة الأولى بمكان وقوع عملية الاغتيال، هنا يدين الفلسطينيون لدبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، بكل التقدير والاحترام، لمجمل الدور الذي قامت وتقوم به السلطات الأمنية والسياسية المسؤولة.

عند تقييم دور الإمارات العربية المتحدة، ودبي بشكل خاص، فإن الأمر يتجاوز حدود المعروف عن الانتماء القومي، إلى المستوى الرفيع من المهنية التي تميز بها أداء شرطة دبي، وأجزم أنه فاجأ الكثير من المتابعين والمهتمين.

لم يطل الوقت بين ارتكاب عملية الاغتيال وبين اكتشافها، والبدء بكشف خيوطها بالصور والأسماء وأنواع الجوازات المستخدمة، ولاحقاً الوقائع التي تتكشف يوماً بعد الآخر، عن قدرة فائقة في التحليل والربط، والاستنتاج عبر الأدلة والوقائع المثبتة.

هذا الأداء الرائع والواثق والمهني أضفى مصداقية عالية، جعلت الاتحاد الأوروبي عبر اجتماع وزراء خارجيته، يقررون في بيان علني، التعاون مع سلطات دبي والتعامل مع الحقائق التي تقدمها على اعتبار أنها المصدر الأساسي للمعلومات، التي تتطلب المتابعة.

الاتحاد الأوروبي الذي استمع إلى ردود على استفساراته من وزير الخارجية الإسرائيلية افيغدور ليبرمان، أبدى امتعاضه من محاولات إسرائيل اليائسة، للتملص من تبعات كل ما تقدم من وقائع وإثباتات لا ترتقي إلى مستوى اتهام إسرائيل وجهاز الموساد.

ومع أن الأوروبيين تجاهلوا ذكر إسرائيل في بيانهم الذي شجبوا فيه عملية الاغتيال واستخدام جوازات أوروبية من قبل الفاعلين، وهو أمر يحسب على خانة التواطؤ على خلفية علاقاتهم التاريخية مع إسرائيل، إلا أنهم لم ينجحوا في تجاوز المشكلة بعد أن أصبحت القضية رأيا عاما أوروبيا ودوليا من ناحية ومن ناحية أخرى لأنه تم استخدام جوازات دول ذات سيادة، وهذا يشكل انتهاكاً خطيراً لقوانين ومكانة تلك البلدان.

على أن تداعيات القضية لا تتوقف عند حد إصدار بيانات شجب، أو حتى إصدار بعض التحذيرات أو اتخاذ بعض الإجراءات الدبلوماسية الشكلية، فلقد دخلت القضية أبعاداً قد تتطلب إجراء تحقيقات داخلية في البلدان التي استخدم عملاء الموساد جوازاتها، إذ قد تكون بعض الأجهزة الأمنية أو غير الأمنية متورطة في هذا العمل.

لقد تورطت بعض أجهزة الاستخبارات الغربية مع الموساد في عمليات اغتيال لمناضلين فلسطينيين في دول أوروبية، لكن تلك الدول لم تحرك ساكناً بالمعنى الفعلي. هنا نعود إلى دولة الإمارات التي لم يتوقف دورها عند حدود الكشف عن خيوط عملية الاغتيال والمتهمين بارتكابها، وإنما قام وزير الخارجية باستدعاء سفراء الدول الأوروبية لمتابعة الأمر بالمعنى السياسي والدبلوماسي.

في الواقع بإمكان إسرائيل أن تنكر مسؤوليتها عن عملية فاشلة حتى لو أنها نجحت في الوصول إلى الهدف المحدد، وبإمكان الدول الأوروبية أو أي منها أن تتجاهل مسؤولية الموساد وإسرائيل عن العملية، لكن كل هؤلاء لا يستطيعون تجاهل الاستنتاج الذي أعلنه رئيس شرطة دبي من أن الموساد يتحمل المسؤولية بنسبة 99%، فالقضية هنا تتصل بمدى الثقة بمصداقية دولة الإمارات وأجهزتها.

وبفقدان المصداقية لدى إسرائيل وأجهزتها. في كل الأحوال فإن هذه العملية الإجرامية، شكلت عنوان فضيحة أخرى كبيرة لإسرائيل، التي تجتهد دون جدوى في غسل عارها نتيجة ما ارتكبته من جرائم حرب وجرائم ضد القانون الدولي والقانون الإنساني الذي وردت وقائعه في تقرير القاضي ريتشارد غولدستون.

من الواضح أن المجتمع الدولي، خصوصاً الرأي العام الأوروبي، قد أخذ يبدي اهتماماً أكبر للجرائم التي ترتكبها إسرائيل، وتفهماً أوسع وأعمق للحقوق الفلسطينية والعربية، الأمر الذي يدعو الفلسطينيين والعرب، لتفعيل البعد القضائي والحقوقي في الصراع مع إسرائيل على مختلف المستويات.

لقد أخذت إسرائيل تشعر بعزلة متدرجة على المستوى الدولي، لن تستطيع معها دوائر صناعة القرار حتى في الدول الحليفة لها من تجاهل تنامي ضغوط الرأي العام في بلدانها، إزاء الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، مما ولد حالة من القلق الشديد لدى الكثير من المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين من السفر إلى عدد متزايد من الدول بما في ذلك دول حليفة.

قضية اغتيال المبحوح تستدعي من الفلسطينيين إبداء التعاون والثقة بالتحقيقات التي تجريها السلطات الأمنية في دبي، والتي تكشف تباعاً عن المزيد من المشتبه بهم.

وهنا لا يجوز بأي حال تبادل الاتهامات بين فتح وحماس بشأن متهمين فلسطينيين على خلفية انتمائهم التنظيمي، فالجهد ينبغي أن يتركز لدعم كل ما تقوم به السلطات في دولة الإمارات مهما كانت النتائج، طالما أنها تسعى إلى الكشف عن الحقيقة حتى لو أن ذلك يصيب بعض الفلسطينيين الذين قد يكونون من بين المتورطين وهو أمر لا يخالف طبيعة الحياة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com