أعطى صعود البورصات من جديد في 2009 انطباعاً أنّه تمّ الوصول إلى قعر الأزمة، وأنّه لم يبق الآن سوى متابعة الجهود للعودة إلى «الأعمال كالعادة»، وأنّ الأزمة انتهت بأزمة «ركود» وليس بأزمة «كساد كبير» كما بعيد 1929. وقد شجّع هذا الانطباع فعلاً تدخّل الدول بشكلٍ سريع لإنقاذ المصارف من انهيارها، منفقةً مبالغاً بتسعة أصفار لم نكن نتصوّرها.
لكن عدا المصاعب التي أتت هنا وهناك، سواء في مناطق معيّنة، أم لقطاعات صناعية معيّنة، كما في حال صناعة السيارات، جاءت أزمة اليونان لتضع إضاءات جديدة.
صحيحٌ أنّ القائمين على عالم المال قد واجهوا الحالة اليونانيّة بنوعٍ من الاحتقار، لتلك الدول الأوروبيّة التي باتت ديونها الحكوميّة في دائرة الخطر، فأسموها «الخنازير» (PIGS، تيمّناً بالأحرف الأولى للبرتغال وايرلندا واليونان وإسبانيا، وحيث يتمّ استبدال ايرلندا بإيطاليا أحياناً للتركيز أنّ المشكلة تأتي من الجنوب، جنوب أوروبا هنا).
إلا أنّ دولاً أخرى تعرف أوضاعاً أسوأ: إذ إنّ اليابان وبريطانيا والولايات المتحدةّ نفسها تعرف عجوزاً في ميزانيّاتها وفي حجم مخزون دينها الحكومي (نسبة لناتجها المحلّي)، يوازي بل يتخطّى حالة اليونان. كما أن حجم الديون المتعثّرة على الشركات والأفراد قد وصل إلى مبالغ ضخمة (أكثر من 3 آلاف مليار دولار حسب صندوق النقد الدولي).
الجديد في أزمة اليونان هو توجّه الأموال المضاربة إلى بلدٍ عضو في منطقة اليورو، مهدّدة استقرار هذه العملة، وحتّى الوحدة النقديّة الأوروبيّة، وحتماً استقرار البلد المعني الذي انتخب أخيراً حكومةً وعدته الخروج من متاهات الفساد التي رسّختها سابقتها. فقد رفعت «الأسواق» الفوائد على الديون الحكومية اليونانيّة وبالتالي زادت من أزمة كانت «تستبقها».
هذه الظاهرة لا تخصّ اليونان وحدها بل جميع الدول إذ تخطّى تقدير المخاطرة على الديون الحكومية (أي مستوى الفائدة على سنداتها) مستوى تقدير المخاطرة على ديون الشركات. هذا على مستوى العالم بأجمعه، أي على مستوى الولايات المتّحدة أكبر مستدينٍ في العالم.
ممّا يعني أنّه يمكن أن تكون هناك مشكلة لناحية السيولة العالميّة، إذ إنّ هذه السندات الحكومية هي السبيل الأساسي لتأمين السيولة في ظلّ السياسات النقديّة القائمة. ويعني هذا أيضاً أنّ المضاربات على السندات الحكوميّة قد تمسّ دولاً أهمّ من اليونان في مرحلة مقبلة.
الجديد أيضاً في أزمة اليونان هو اكتشاف أن حجم الدين اليوناني أكبر بكثير ممّا كان يصرّح عنه، وكانت تدقّقه المؤسّسات المالية الدولية من صندوق النقد إلى المفوضيّة الأوروبيّة بفضل أدوات أطلقتها «مصارف الاستثمار» الكبرى في الأسواق راهنةً إيرادات مرافق عامّة على سنين طوال.
وقام بتصميم وتسويق هذه الأدوات مصارف كغولدمان ساكس تمّ إنقاذها من الأزمة المالية وتشتبك كوادر إداراتها بشكلٍ وثيق مع كوادر إدارة الدولة الأميركيّة. والسؤال هو ما الذي يمنع أن يكون هكذا ديون عامّة مماثلة «مخبّأة» في مناطق أخرى من العالم، في أوروبا والولايات المتّحدة وغيرهما، كما في دول الخليج وغيرها من البلدان العربيّة؟
وهل التشابك السياسي بين هذه المصارف والإدارة الأميركيّة له أثر على استقلاليّة قرارات الدول المعنيّة، المالية والسياسيّة؟
المشكلة الأساسيّة هنا أنّه لا أحد، ولا حتّى الإدارة الأميركيّة إذاً، يستطيع أن يردع الأسواق والمصارف الاستثمارية الكبرى عن البحث عن سبل للمضاربة وعن طرق لإخفاء المشاكل المالية تحت سجّادة الميزانيّات الرسميّة.
ولا يشكّل الضجيج حول مكافآت القائمين على هذه المصارف سوى القمّة الطافية من جبل جليد قد يهدّد استقرار دولٍ برمّتها. وفي هذه الظروف تحكّم العقلانيّة اللجوء إلى نوع من «رهان باسكال».
فقد أشار كتاب صدر مؤخّراً عن «مجموعة بوسطن الاستشاريّة» تحت عنوانٍ لطيف هو «تسريع الخروج من الركود العظيم» أنّ أفضل نصيحة للشركات (والدول على السواء) هو الرهان على أنّ الأزمة لم تنتهِ،وأنّ أفضل استراتيجية اليوم هي استراتيجية الدفاع، قبل معاودة الهجوم.
الدفاع عن الأسس المالية وعن النموذج الاقتصادي والإيرادات لتحصينها (من عالم المال المضارب). والهجوم عبر الاستفادة من فرص التغيّر في المناخ العالمي لأخذ مواقع جديدة على الصعيد الاقتصادي والاستثمار في المستقبل.
بل إن هذه المؤسّسة الاستشارية الشهيرة تدعو إلى العودة عن تقديس الأسواق المالية والقيمة المخلوقة للمساهمين (قيمة السهم) والتوجّه نحو إعادة النظر في العقد الاجتماعي والعلاقة بين السياسة والاقتصاد.
تدخّلت أوروبا بصعوبة لإنقاذ اليونان، على الأقلّ مرحليّاً. ولكن ما زالت هناك عواصف مقبلة. ولا سبيل إلا الدفاع والتحصّن عبر الأسس ضدّ الجنون في عالم المال، ثمّ العودة للهجوم عبر الاقتصاد الحقيقي الإنتاجي.
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب