«نحن نقول للعراقيين، إذا عملتم معنا فسيكون العراق عضواً في المجتمع الدولي، وستتمتعون بالاحترام أينما ذهبتم، وستكونون شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة، لا نستخدم الأسلوب السلبي؛ لأن لدينا قوات في بلدكم ويمكننا أن نؤذيكم، ونقول لهم، إذا ذهبتم مع إيران سيكون الطريق مختلفاً معكم».
بهذه الكلمات المباشرة والشديدة الوضوح، التي وردت ضمن تصريحات هامة أدلى بها السفير الأميركي في بغداد كريستوفر هيل مؤخراً، أجاب السفير عن أحد الأسئلة التي طرحت عليه.
حول إمكانية أن تلعب إيران دوراً أكبر في العراق وتتمتع بنفوذ أعظم في صياغة سياساته، بسبب الفراغ الأمني الذي ستخلفه الولايات المتحدة عند انسحاب قواتها منه منتصف العام الحالي.
يأتي هذا التصريح الخطير في مرحلة حاسمة يمر بها العراق، الذي من المتوقع أن يشهد فيها تغييراً كبيراً في مشهده السياسي، فالتجربة المريرة التي خاضها الشعب العراقي على مدى السنوات المنصرمة، تحتم عليه إحالة قيادات عديدة إلى التقاعد والمجيء بوجوه جديدة إلى مجلس النواب.
وتمر بها كذلك منطقة الشرق الأوسط برمتها، وذلك لأنها تشهد حالات احتقان وترقب وعدم استقرار، ونشوء بؤر صراع خطيرة، احتمالات تفاقمها أكبر كثيراً من احتمالات انفراجها، وقد لا تفجر صراعات تقليدية اعتادت عليها المنطقة، وإنما حروبا دموية.
وقد تزامن تصريح السفير كريستوفر، مع ما أدلى به الجنرال راي أوديرنو القائد العام للقوات الأميركية في العراق، من تصريحات اتهم فيها قيادات عراقية مسؤولة عن ملف هيئة المساءلة والعدالة، بالتبعية لإيران، ومتزامناً كذلك مع التحركات الحثيثة لتحجيم إيران، عبر إقرار جولة رابعة من التطويق لرفع سقف العقوبات المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي.
وتأتي كذلك في ظروف تحسن العلاقات بين دمشق وواشنطن، في مؤشر على توجه وسعي سوري نحو تحقيق توازن أفضل في علاقاتها الخارجية.
كلمات السفير الأميركي، المنتقاة بعناية، موجهة لحكومة بغداد ما بعد الانتخابات، والسفير هيل في مجمل التصريحات التي أدلى بها، يشير إلى عدم رضا الولايات المتحدة عن علاقة الحكومة العراقية الحالية مع إيران.
وعن عدم ارتياحها للعلاقات الوثيقة التي تربط بعض القيادات العراقية بطهران، محملاً إياها مسؤولية الدور السلبي الذي تلعبه طهران في العراق، حيث وصف هذا الدور بأقوى الكلمات قائلاً:«لا يوجد شك في أن إيران أظهرت وجهاً حاقداً جداً في العراق، وهذا يعني أن علينا أن نكون حذرين من التدخل الإيراني الحاقد المستمر في العراق».
ليس من باب المصادفة أن يأتي هذا التصريح الخطير عشية الانتخابات العراقية، وبالذات بعد فشل الجهود الأميركية في إحباط ما اعتبرته تدخلاً إيرانياً في الانتخابات العراقية، وهو الإصرار على إقصاء عدد من الكيانات السياسية والمرشحين من الانتخابات، من قبل هيئة المساءلة والعدالة التي تتهم الولايات المتحدة قياداتها بالتبعية لطهران.
ويمكن القول إن هذا التصريح قد أملته كبرياء مجروحة لدولة عظمى، تشعر بالحيف من طعنة تلقتها من حلفاء ساعدتهم على الوصول إلى مواقع المسؤولية. قد تفسر تصريحات السفير على أنها مقدمة لتراجع أميركي في العراق.
ينسجم مع سياسة إدارة الرئيس الأميركي أوباما في الحد من الانشغالات الخارجية، وهو ما يفترضه البعض، وقد تفسر أيضاً عكس ذلك، بأنها مقدمة للتصعيد ضد إيران في العراق والضغط على حلفائها للتخلي عنها.
فهي دعوة قوية وحازمة للقوى السياسية المتنافسة في الانتخابات، والقريبة من إيران، من أجل أن تحدد موقفها بشكل صريح، وتمسك العصا من الطرف الأميركي وليس من الطرف الإيراني أو من المنتصف.
إلا أنه، وبغض النظر عن طبيعة التفسير، تعتبر هذه التصريحات تدخلاً في الشأن العراقي، ومحاولة للتأثير على سير العملية الانتخابية، وهو على أية حال تحصيل حاصل للغزو الأميركي للعراق.
ولعل من غير الواقعية أن يزايد بعض السياسيين العراقيين ويتحدثوا عن رفض التدخل الأميركي في الشأن العراقي، وهم يدينون بمراكزهم الحالية لهذا التدخل الذي أطاح بالنظام العراقي السابق.
الحقيقة أن من يقرأ تصريحات السفير الأميركي كريستوفر هيل، ويعتبرها بمثابة تراجع للدور الأميركي في العراق أمام صعود الدور الإيراني، يقع في خطأ استراتيجي خطير ويتوصل، تبعاً لذلك، إلى استنتاج في غير محله، فالقراءة المتأنية لهذه التصريحات توحي بغير ذلك.
فقد حذر هيل من ربط النفوذ الأميركي في العراق بعدد قوات بلاده فيه، مؤكداً أن «نفوذنا في العراق ليس محدداً بعدد قواتنا فيه»، ومشدداً على أن «الولايات المتحدة جدية في رغبتها في علاقات طويلة الأمد مع العراق، وإذا كان العراق يريد هذه العلاقة فعليه أن يتعاون معنا».
فخطة الولايات المتحدة للانسحاب من العراق في نهاية أغسطس المقبل، لا تتضمن سحباً كاملاً لقواتها، وإنما الإبقاء على خمسين ألف جندي في قواعد عسكرية ضخمة أعدت لهذا الغرض.
كما أن الولايات المتحدة أنشأت في العاصمة العراقية أكبر سفارة في العالم، لترعى ما يتصل ويتعلق بالمصالح الأميركية في عموم الشرق الأوسط، إضافة إلى أن التراجع لا ينسجم مع استراتيجية التضييق على إيران واحتوائها وعزلها.
وهي السياسة التي تنتهجها واشنطن وحلفاؤها الغربيون ضد طهران، عن طريق رفع سقف العقوبات المفروضة عليها بقرارات من مجلس الأمن الدولي.
المرجح هو أن الدور الإيراني في العراق سيصبح أكثر ضعفاً بعد الانتخابات، إذا لم يتخللها ما ينتقص من مصداقيتها ونزاهتها، فالفرز الطائفي في الشارع العراقي، والذي كان المدخل الذي أطلت منه طهران على الساحة السياسية العراقية، قد خفت حدته كثيراً، رغم المحاولات لتأجيجه مع تصاعد الحملة الانتخابية باعتباره حصان الرهان الإيراني.
كما أن المشروع الإيراني في العراق، وهو التقسيم بأدوات جراحية جاهزة، وفرها الدستور العراقي نفسه عبر إتاحته مساحات واسعة لحرية التحرك نحو التقسيم تحت شعار فيدرالية الأقاليم أو المحافظات.
قد ضعفت مقومات نجاحه بعد أن هزم البصريون بغضب وعزيمة مشروع فيدرالية محافظتهم، وبعد أن اضطرت إحدى القوى السياسية الهامة التي كانت متمسكة بفيدرالية الوسط والجنوب، إلى تغيير استراتيجيتها وسحب هذا الشعار لعدم شعبيته.
وقد خسرت قيادات الأحزاب الدينية، الأكثر قرباً من إيران، الكثير من نفوذها خلال السنوات الأربع المنصرمة، سواء في مواقعها في السلطة التشريعية أو التنفيذية، وأصبحت واجهات لتمرير مشاريع الفساد المالي والإداري، حين تخلت عن آليات محاربته وانتقلت إلى آليات حمايته ورعايته.
كاتب عراقي
