شكل التحرك السياسي لزعيم الدروز الأبرز، النائب وليد جنبلاط، طوال الأشهر الأخيرة، واحداً من العناوين الرئيسية للحراك على الساحة اللبنانية، سواء في علاقاته المستجدة مع العماد ميشال عون، أو في توجهاته حيال نظام الحكم في سوريا.
فما هي خلفيات وآفاق هذا التحول الجذري في العلاقة بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وزعيم «التيار الوطني الحر»؟ منذ عودته إلى لبنان، بعد منفى طويل في العاصمة الفرنسية.
اتسمت علاقات العماد عون بكثير من التوتر والمواجهات الكلامية مع النائب وليد جنبلاط، الذي كان يقود يومذاك حركة 14 آذار ويرسم تحالفاتها في الداخل والخارج.
أما أسباب هذه الحدة اللفيظة فعديدة:أولاً؛ قيام عون بشن حملات متتالية على التفرد في قيادة جنبلاط للجبل الدرزي ـ المسيحي، وتحالفه سياسياً وانتخابياً مع «القوات اللبنانية».ثانياً؛ اتهام عون لجنبلاط بأن الحزب التقدمي الاشتراكي كان وراء تهجير مسيحيي الجبل من قراهم، بعد تدميرها في حرب الجبل في ثمانينات القرن الماضي.
كما اتهمه بأنه يقف خلف الإصرار على تقنين عودة المهجرين، وإخضاعهم للفرز السياسي، من خلال وزارة المهجرين التي كان يتولاها محازبون اشتراكيون أو أنصار للوزير جنبلاط، وذلك حتى لا يشكل العائدون ثقلاً سياسيا مناهضاً للزعامة الجنبلاطية.
ثالثاً؛ شيوع مناخ عام في البلاد يتهم عون بمحاباة سوريا وحلفائها، وتبرئتها من جميع المسؤوليات التي كانت تلصق بها من جانب حركة 14 آذار، خصوصاً لجهة الاغتيالات التي طالت عددا من قياديي 14 آذار.
يومذاك كان جنبلاط رأس حربة في المعركة المندلعة ضد النظام السوري، مما جعله على طرفي نقيض مع عون الذي كان يصر على عدم اتهام سوريا، إلى أن ينهض الدليل القضائي الدامغ على ذلك.
تضاف إلى ذلك كراهية متأصلة في الوعي السياسي لجنبلاط، ورثها من والده كمال جنبلاط، لجميع القادة العسكريين في الجيش اللبناني، خلا اللواء الأمير فؤاد شهاب، فضلاً عن نزعة إلى التعالي والفظاظة الكلامية.
اتّسم بهما خطاب عون حيال الزعيم الاشتراكي، خلافا للوداعة اللفظية لخطاب «القوات اللبنانية» التي أقرت بالزعامة المنفردة لجنبلاط للجبل، بشقيه الدرزي والمسيحي.
وقد أتت الانتصارات الباهرة التي حققها عون وأنصاره ومرشحوه في الانتخابات النيابية التي أعقبت عودته من باريس، وجعلته زعيما مطلوبا للجمهور المسيحي، لتزيد من الاحتقان في العلاقة بينه وبين الزعيم الاشتراكي، الذي لا يحتمل نداً له أو شريكا متساويا في زعامة الجبل.
إذن، كنا أمام زعيمين طائفيين يتنازعان السطوة في منطقة جغرافية واحدة، ويتهم كل منهما الآخر بسيل من الاتهامات الجارحة.
لكن كل ذلك بات من الماضي، وها هو جنبلاط يستقبل العماد عون استقبال الأبطال في «المختارة»، معقل الزعامة الجنبلاطية منذ القرن السادس عشر. فماذا تغير حتى طوي الماضي وقبل كل منها بزعامة الآخر؟ وهل هذا التبدل مؤهل للاستمرار طويلا أم أنه عابر؟
أسباب التبدل عديدة، أبرزها:
أولاً؛ نشوء قناعة لدى جنبلاط بأن العماد عون صاحب تمثيل سياسي مسيحي واسع في الوسط المسيحي في الجبل، لا يمكن إسقاطه أو تجاهله.وقد تجلى هذا الحضور الكبير في الانتخابات النيابية الأخيرة.
عندما نال مرشحو العماد عون أرقاما عالية، خصوصا في البلدات ذات الكثافة المسيحية السكانية، جعلتهم منافسين جديين لمرشحي الزعيم الجنبلاطي.
ثانيا؛ قيام «حزب الله»، الذي باتت علاقاته بجنبلاط على قدر كبير من الدفء والتنسيق، بدور الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الزعيمين، من أجل إنهاء القطيعة المستمرة منذ أربع سنوات.
إلى ذلك يضاف أن التقارب بين جنبلاط وكل من سوريا وحركة 8 آذار، يجعل من تحسين العلاقة مع عون أمراً مطلوبا، بل وبديهيا في سياق المراجعة التي أجراها جنبلاط لموقعه السياسي، لبنانيا وعربيا.
لم يعد ممكنا بعد التقارب الجنبلاطي مع «حزب الله» و«حركة أمل»، أن تبقى علاقات المختارة بالعماد عون صدامية أو مقطوعة.
ثالثاً: عدم رغبة جنبلاط، بعد انفكاكه عن 14 آذار في أن يحصر تحالفه السياسي مع «القوات اللبنانية» كما كان الحال في السنوات الماضية من هنا، رغبته في التوازن الجديد، بعد علاقة حصرية دامت طويلا مع «القوات اللبنانية».
رابعاً؛ عدم وجود تاريخ من العلاقة الدموية بين أنصار الحزب التقدمي الاشتراكي وأنصار عون، خلال الحرب اللبنانية، خلافا للعلاقة الصدامية التي كانت قائمة بين الحزب التقدمي الاشتراكي ومقاتلي «القوات اللبنانية»، وكان من حصيلتها مئات من القتلى والجرحى، خلال حرب الجبل التي كانت «القوات» تخوضها ضد مقاتلي الاشتراكي.
لقد بذل جنبلاط الكثير من الجهود، من أجل تجاوز هذا الحاجز من الدم بين أنصاره وأنصار «القوات»، طوال فترة تحالفه السياسي معها. أما مع العماد عون، فإن العداوة التاريخية غير قائمة، مما يجعل تقارب اليوم أشد سهولة وسيراً.
خامساً؛ حضور قوي انتخابيا للعماد عون في منطقة عاليه، حيث يشكل تحالف عون و«حزب الله» قوة انتخابية وازنة، قادرة على إسقاط المرشح الاشتراكي، خصوصا أن أصوات الشيعة في قضاء عاليه لا يستهان بها أبداً.
إذن، حسابات سياسية وانتخابية تقف خلف هذه الاستدارة من كلا الزعيمين، خصوصا أن عون أدرك، بعد مواجهات عديدة مع جنبلاط، أن الزعيم الدرزي باق على رأس طائفته بلا منافس جدي، سواء من الأمير طلال أرسلان أو الوزير السابق وئام وهاب.
هل تدوم هذه العلاقة الجديدة؟
اللعبة معقدة، وسيكون على جنبلاط أن يقوم بنسج علاقات متوازنة مع العماد عون، «والقوات اللبنانية»، والمسيحيين الاشتراكيين في آن واحد، فهل ينجح؟
كاتب لبناني