احتفلنا يوم الأحد الماضي باليوم الوطني للغة العربية، وكان يوما مليئا بالأنشطة والتفاعلات، وكانت الكلمات والتصريحات التي أطلقها المسؤولون تحمل وصايا مهمة بضرورة إعلاء شأن لغتنا الام وإحيائها وجعلها حاضرة في تفاصيل حياتنا وثقافتنا وفكرنا.
وتوجهت الكلمات والمناشدات إلى وزارة التربية والتعليم كونها تتحمل العبء الاكبر باعتبارها الجهة المنوط بها بناء شخصيات ومسارات أجيال الصغار من الأبناء، وباعتبارها صاحبة الزمام في منطق «العلم في الصغر كالنقش في الحجر».
ومنذ عامين بدأت المبادرات الرسمية تحمل الكثير من الوصايا بضرورة التأكيد على اللغة العربية وضرورة ابراز مناشط إحيائها، ودعوة المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية، واهله وافراده بأيلاء أمرها أهمية طارئة وقصوى، بعد ان بدأ الخطر يهدد حضور اللغة الام والتعامل معها.
وخلال العامين المنصرمين، تناثرت مبادرات جليلة هنا وهناك بدأت تعمل على منهج الإحياء، لكن مع هذا يشعر الجميع ان هناك الكثير من الذي يجب ان يقام به وان يدفع به حضور لغتنا العربية، بعدما تاهت وغابت ملامحها وكادت ان تطمس طمسا جائرا، لولا بعض ما يبقيها من تفاعلات.
اليوم الوطني للغة العربية،والذي يصادف الواحد والعشرين من شهر فبراير من كل عام يتوجب ان يكون محطة مراجعة سنوية، نعيد فيها جرد حساباتنا في إصلاح وجود اللغة العربية وتعاطينا معها، بعدما أخذتنا دعوات العالمية والعولمة والمجتمع «الانترناشيونال»، وفتح الباب على الغارب.
وجعل الثقافات الوافدة في الواجهة وركن كنوز حضارتنا وهويتنا خلف الباب، ترحيبا بالآتي الجديد، إلى متاهات غياب الملامح الواهية، وهي متاهات مؤلمة وقاسية قسوة الغربة في المكان والفقدان في الزمان والمكان، والتلاشي من الوجود.
يتوجب أن تكون هذه المحطة السنوية، مناسبة لإعادة التفكير في مشاريع الإحياء والتجذير للغتنا الأم، إلي أين مضت؟ كم أنجزت لتحقيق الأهداف؟ ماذا فعلنا لمطالب الوثيقة الوطنية التي أطلقها مجلس الوزراء في خلوته الأخيرة، والتي لم تغفل التأشير إلى ضرورة اللغة العربية وجعلها اللغة الأم، الحية، المتداولة، الحاضرة التي تتنفس بنا ونتنفس بها.
يتوجب أن نعيد النظر سنويا في تلك المطالب والمشاريع والجهات العاملة في حقل إحياء اللغة وثقافتها عبر رفع مستويات الدعم، وأساليب التشجيع، وابتداع أفكار ومشاريع جديدة.
وان لا نتوقف عند نقطة إطلاقها فقط، بل متابعتها، فالأمر ليس بهذا «الهون»، والأمر ليس بإجراءات واحتفالات ومناشط ومعارض ومظاهر مناسباتية.
الأمر يتطلب خططا وطنية وقرارات صارمة، وتضافر جهود جادة مخلصة تستوعب هدف المهمة ونبلها وضرورتها وخطورة إغفالها..فنحن من المفترض أن نفكر في مجتمعنا وما نريده من منجزه الإنساني والحضاري في المستقبل قريبه وبعيده.
لنسأل أنفسنا.. بأي لغة سيتحدث أبناؤنا وأبناء أبنائنا بعد مئة عام!!
