المتتبع لمسيرة هذا الوطن الغالي، يجد أنه ابتداء جسد بذاته أروع الأمثلة للتميز، حيث استطاع الآباء المؤسسون مواجهة تحديات يشيب لها الولدان، ليقيموا اتحادا كان متميزا في تكوينه، واستمر كذلك بعد قيامه، ليعلن عن مرحلة جديدة في تاريخ وطننا، حيث خلا دستورها من كلمة مستحيل.

فذاك المستحيل في مخيلة الكثيرين، قد أضحى واقعا نلامسه ونرى صفحات الفخر تكتمل سطرا بعد سطر، بعد أن أحال الاتحاد الإمارات من الشتات إلى الوحدة، ومن الشقاء إلى خير ونماء لم يكن أكثر المراقبين تفاؤلا يصدقون إمكانية تحققه إلى هذا الحد!

كان عنوان تلك المرحلة «إذا لم تكن عوامل النهضة متاحة فلنصنعها بأنفسنا»، ليضربوا لنا المثل والقدوة في الاحتكام إلى الشجاعة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في مصائر الشعوب وتغير وجهة تاريخها، وليتركوا لنا أثراً بليغاً في فن التعامل مع الحياة.

فالفشل والنجاح ليس لهما معايير مطلقة، لكن الفشل يأتي لمن استسلم لواقعه ورضي الدنية في دنياه، والنجاح يأتي لمن همتهم كالجبال الرواسي، الذين يصممون على تغيير واقعهم مهما كلفهم ذلك وأيا كانت الصعاب التي تواجههم، بل إن تلك الصعاب كانت بمثابة محفزات ووقود لا ينطفئ ويدفعهم لتحقيق ذاك الحلم.

ولأن العرق دساس، فقد تولى زمام القيادة خلف قبضوا على ميراث الوعي والهمة العالية والتصميم والرؤية الثاقبة، فساروا على درب السلف لتستمر هذه الشجرة المباركة تؤتي أكلا طيبا.

فارتفعت دولتنا إلى مصاف الدول العصرية بما أنجزته من تطور في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتبوأت موقع الصدارة، سواء في محيطها العربي أو الإقليمي، وصارت نموذجا يحتذى به.

وذلك لم يكن ليتحقق، لولا رايات رفعتها قيادتنا الرشيدة، أولاها وليس أخراها، «أن العدل أساس الملك» وإرساء مبدأ العدالة، والتأكيد على أن الإمارات دولة الحق والمساواة، وأنه بالعدل تصان الحقوق، بصرف النظر عن العرق واللون والمكانة الاجتماعية، فدولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.

الراية الثانية؛ الإيمان بنهج الشورى كأصل من أصول الحكم والتواصل مع المواطنين دون حاجب أو حاجز، لملامسة أوضاعهم المعيشية وتلمس طموحاتهم وأمانيهم، مما بنى جسرا من الثقة بين القيادة وبين الناس، مواد هذا الجسر حكم الشعب بمحبته، لا بتخويفه وإرهابه.

الراية الثالثة؛ إعلاء قيمة الإنسان كونه إنساناً، والتأكيد على أهميته القصوى، فهو صانع التنمية وهدفها في وقت معا، وأن الوطن دون مواطن لا قيمة له ولا نفع منه، مهما ضمت أرضه من ثروات وموارد.

ولعل إصدار الوثيقة الوطنية وما تحويه، خير شاهد على حرص القيادة السياسية على مستقبل الإنسان الإماراتي، وتذليل الصعاب التي تواجهه، والسعي لتوفير الحياة الكريمة لأبناء الوطن، بل هي بمثابة طموحات أمة تتطلع إلى السير قدما، نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والتي ينعم بخيرها الجميع.

الراية الرابعة؛ الانفتاح على العالم شرقه وغربه، فالإمارات تمثل نموذجا في التعايش الإنساني، واحترام قيم وعقائد الآخرين وثقافاتهم، مع الاعتزاز بقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ولغتنا الوطنية، وأن أي مساس بالهوية هو مساس بالوطن وانتهاك لحرماته.

هنا أجد لزاما علي أن أستنهض همة بني جلدتي من أبناء وطني، لنستلهم من هذه المسيرة الظافرة خارطة طريق لنا أيضا، يكون التميز عنوانها والانتماء لتراب هذا الوطن وقودا يدفعنا إلى أن نكون على قدر المسؤولية.

كل في مكانه، وأن نعتمد على منهج علمي مخطط له بدقة لرسم أهدافنا، ونشد العزائم لتنفيذها. فالشعوب التي تعرف كيف تخطط وكيف تنفذ، هي التي تصنع الأمجاد.

خارطة طريق تجعلنا نجود ونعتني بالبدايات مهما كانت صغيرة، فالبدايات الصغيرة هي التي تحقق النجاحات المذهلة، وما علينا إلا بذل المزيد والمزيد لنضع بجانب الواحد صفراً ليكون عشرة، ثم صفراً ليكون مائة، فمعظم النار من مستصغر الشرر.. عندئذ تنسجم طموحات القيادة مع قدرات شعبها وإرادته في الحياة.

عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com