عندما دوّنت مقالتي السابقة «قراءة في وثيقة الرؤية الوطنية 2021»، التي نشرت في «البيان» بتاريخ 11 مارس 2010، لم تخطر ببالي فكرة الاسترسال بمقالة أخرى حول الموضوع نفسه، لكن النقاط والردود التي تفضّل قرّاء المقالة بطرحها من خلال تواصلهم معي، جعلت في ذهني بعض الأفكار التي ما انفكّت تلحّ عليّ.
في أحد النقاشات، تساءل أحد الإخوة الإعلاميين عن سر «إصراري» على ضرورة تسريع خطا التحول الإلكتروني وتوسيعه، على الرغم من تداعيات الأزمة المالية، وما يقال عن أن مشروعات الحكومة الإلكترونية من شأنها استنزاف قدر عزيز من الميزانيات الحكومية.
ثم استطرد السائل ملاحظاً أن التوظيف المكثف للتقنيات «ينطوي أصلاً على تبعات غير مرغوب فيها، منها مثلاً أنه يفاقم مشكلة البطالة، إذ يجعل الأنظمة تحلّ محل الإنسان».
في ما يتعلق بالشق الثاني، والمتعلق بالتبعات الاجتماعية والاقتصادية لتطبيقات الحكومة الإلكترونية، تجدر الإشارة إلى أن العالم من حولنا قد تجاوز هذه النقطة، وأن الخبراء الاجتماعيين لم يعودوا يعتبرونها جزءاً من النقاش عن جدوى التحول الإلكتروني.
وتكفي الإشارة ببساطة إلى أن أكثر المجتمعات تقدماً في مجال الحكومة الإلكترونية وتطبيقات مجتمع المعرفة، هو أكثر المجتمعات احتياجاً بصورة دائمة للكفاءات والعمالة بكافة مستوياتها وأشكالها.
وأما بخصوص مقولة الاستنزاف الاقتصادي، فمن الملاحظ هنا أن أصحاب هذه الفرضية يطلقون حكماً عاماً وبعيد المدى، انطلاقاً من ظرف آني مؤقت يتمثل في الأزمة الحالية. ومع أن عام 2009 شهد بالفعل بعض الانخفاض في الإنفاق على تقنيات المعلومات والاتصالات وتطبيقات الحكومة الإلكترونية، فإن النمو المتوقع في الإنفاق على هذا المجال ما زال يراوح 2% سنوياً.
والمذهل حقّاً هو حجم القيمة الإجمالية لما ينفقه العالم على تطبيقات تقنيات المعلومات، فقد بلغت في عام 2008 نحو 3 .3 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن تصل في عام 2013 إلى نحو 36 .3 تريليونات دولار، بمعدل زيادة يناهز 9 .1%، مع احتساب النمو السلبي لعام 2009 الذي يمثل ذروة الأزمة المالية. (المصدر: دراسة صدرت في أواخر 2009 عن مجموعة غارتنر العالمية).
إن استحواذ تطبيقات المعلومات والاتصالات (ومنها الحكومة الإلكترونية) على هذا القدر من الاهتمام العالمي لم يتأت من فراغ، إذ يرى الخبيران ستيفين برينتس وكاثي هاريس، من مجموعة غارتنر نفسها، أن تقنيات المعلومات والاتصالات قد غدت بمثابة العنصر الخامس في الطبيعة، بعدما بات من شبه المستحيل الاستغناء عنها.
ومن المعروف أن الفلاسفة القدماء على اختلافهم، قد أرجعوا سيرورة الحياة والحضارة الإنسانيتين إلى أربعة عناصر هي: الماء، والنار، والتراب، والهواء. ويرى الخبراء المعاصرون أن تقنية المعلومات تمتلك ما لتلك العناصر من قوة التأثير، والحضور الطاغي، وعدم إمكانية الاستغناء عنها، وهي بالتالي تستحق أن تكون العنصر الخامس في سيرورة الحياة.
ولعل من حسن الطالع أن وثيقة الرؤية الوطنية 2021، تحمل في طياتها تركيزاً لافتاً على ضرورة تدعيم أسس مجتمع المعرفة والمعلومات، وتعتبر التوظيف السليم للمعرفة شرطاً لتحقيق الإنتاجية الاقتصادية العالية.
وهي تربط ذلك أيضاً بتقديم خدمات حكومية متطورة وميسرة لكل من الأفراد والشركات، مثلما تربطه بوجود نظام تعليمي من الطراز الأول، يقوم على التفكير الإبداعي بعيداً عن التلقين.
وبطبيعة الحال، فإن ذلك يأتي منسجماً مع التوجيهات السامية لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، والتي وردت في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الثامن والثلاثين، حين قال: «إننا نؤسس لنموذج اقتصادي جديد، قادر على الانتقال بنا تدرجاً إلى مرحلة قوامها صناعات وأعمال عالية التقنية، كثيفة رأسِ المال، أساسها المعرفة، والتكنولوجيا المتقدمة».
أما النقطة الأخيرة التي أود الإشارة إليها في هذا السياق، فهي تلك المتعلقة بجدوى وجود حكومة إلكترونية اتحادية، فيما معظم الخدمات الحكومية المقدمة للجمهور هي خدمات محلية تقدمها دوائر حكومية تتبع إمارات الدولة.
إن مفهوم البوابة الحكومية الإلكترونية الموحدة، يقوم على ربط المواقع والبوابات الحكومية المختلفة في بوتقة واحدة، تكون بمثابة مركز حكومي افتراضي موحد ومشترك.
يستطيع الناس من خلاله الحصول على كافة المعلومات الوطنية والخدمات الحكومية بسهولة، من دون أن يشغل مستخدمو البوابة أنفسهم بشأن كيفية التنسيق بين تلك المواقع والبوابات.
وإذا كانت لدينا في دولة الإمارات العربية المتحدة، سبعة مشاريع بوابات تمثل سبع حكومات إلكترونية، أفلا يكون ضرورياً وجود بوابة إلكترونية موحدة، تكون بمثابة البوابة «الأم»، وتديرها جهة حكومية اتحادية تتولى مهمة الإشراف على التحول الإلكتروني المتساوق والمنسّق على مستوى الوطن بكامله؟
إن وثيقة الرؤية واضحة في تأكيدها على أن الاتحاد ينبغي أن يكون مركز الولاء الأول والأخير لأبناء هذا الوطن، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التنسيق الفعال والتكاملي بين ما هو محلي وما هو اتحادي، لكي نكون بالفعل كما وصفتنا وثيقة الرؤية 2021 «متحدين في المصير المشترك».
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات