قدم كتّاب كثيرون تفسيرات مختلفة للأزمة المالية والاقتصادية التي حلت بالعالم ابتداء من سبتمبر 2008، وهي تفسيرات قد يمس بعضها جزءاً من الحقيقة، ولكن بعضها يتعارض مع بعضها الآخر.

وسوف أغامر في هذا المقال (على جزءين) بتقديم التفسير الذي أرجحه، وهو تفسير يتسم بالنظر إلى الأزمة من منظور تاريخي، ويظهرها كما لو كانت شيئاً حتمياً.

فمنذ حدوث الثورة الصناعية في غرب أوروبا؛ أي منذ أكثر قليلًا من مئتي عام، شهد العالم الغربي تقدماً مستمراً في التكنولوجيا، ولكن هذا التقدم التكنولوجي لم يكن دائماً على وتيرة واحدة، بل شهد فترات من التقدم السريع جداً، ثم التباطؤ أو حتى الركود.

يحدث هذا في صورة دورات من الصعود والهبوط، طول كل دورة منها يتراوح بين أربعين وخمسين عاماً.كان من أوائل من اهتموا بشرح هذه الدورات اقتصادي سوفييتي، هو كوندراتييف، في نظرية قال بها في أوائل العشرينات، وهو ما حدث بالفعل في سنة 1929.

أريد الآن أن أضيف أنه في فترات التقدم التكنولوجي السريع، يبدو من الطبيعي أن يضغط الرأسماليون وأرباب الأعمال والمستثمرون من كل صنف، لإطلاق أيديهم في استغلال الفرص الجديدة المتاحة في الاستثمار المربح.

ويقاوموا بشدة أية محاولة من جانب الدولة لفرض قيود على تصرفاتهم وقراراتهم، إما بدافع تحقيق أغراض سياسية، أو تحقيق درجة أعلى من العدالة الاجتماعية (كرفع مستوى الأجور مثلاً).

وفي هذا المناخ من التقدم التكنولوجي السريع تكتسب حجج الرأسماليين والمستثمرين المحتملين وجاهة وجاذبية، إذ من الذي يجرؤ على حرمان المجتمع من ثمرات هذا التقدم التكنولوجي.

وهذه المخترعات الجديدة المذهلة؟ الدليل الذي يقدمه الرأسماليون على صحة حجتهم هو النمو السريع في الثروة، وفي سبيل ذلك يبدو رفع شعارات العدالة أو إعادة توزيع الثروة وكأنه خروج على الذوق السليم.

في مثل هذا المناخ مثلًا، ظهرت المدرسة التقليدية الإنجليزية، التي دعت إلى رفع يد الدولة عن التدخل، وتبنت شعار المدرسة الطبيعية الفرنسية «دعه يعمل، دعه يمر» (Laissez Faire, Laissez Passer)، وكسبت الرأي العام إلى صفها، وبدت حجج الاشتراكيين (الذين سموا بعد ذلك بالطوباويين ) واهية، لا تقنع أحداً.

بالعكس من ذلك، عندما يتباطأ نمو التكنولوجيا، وتتدهور بالتالي معدلات نمو الثروة، وترتفع معدلات البطالة، تبدو الفرصة سانحة لأن يرفع كارهو الرأسمالية رؤوسهم، وأن يطالب العمال ببعض العدالة، وتقوى الاتجاهات الاشتراكية ويقوى الميل إلى زيادة تدخل الدولة في الاقتصاد، وتنمو قوة نقابات العمال.

هكذا نلاحظ أنه في فترة تراخى معدلات النمو بين 1830 و1850، في أعقاب العقود الأولى للثورة الصناعية في بريطانيا وفرنسا، نمت الحركات الاشتراكية، وظهرت الكتابات الأولى في الماركسية.

وكذلك في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر (1870 ـ 1895)، حيث زادت قوة نقابات العمال، ثم خلال أزمة الثلاثينات من القرن العشرين، حيث ازدهرت الحركات الفاشية والنازية، وظهرت دعوة كينز إلى مزيد من تدخل الدول، بل وحدث ذلك بالفعل على يد روزفلت في الولايات المتحدة، ثم في أوروبا الغربية.

ولكن القصة لم تنته بالطبع بأزمة الثلاثينات، بل عاد العالم الرأسمالي إلى النمو السريع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لفترة تقرب من 25 عاماً (1945-1970). وعلى الرغم من التقدم السريع الذي حققه الاتحاد السوفييتي في هذه الفترة، فقد كان التقدم المذهل الذي حققه العالم الرأسمالي (بما في ذلك اليابان).

كافياً لوضع حد لنمو الاتجاهات الاشتراكية، وللاكتفاء بما سمي «دولة الرفاهية» التي تراعى بعض اعتبارات العدالة الاجتماعية، دون أن تقيد حركة الرأسماليين.

كانت أواخر الستينات ثم السبعينات من القرن العشرين فترة صعبة في تاريخ الرأسمالية، إذ شهد الغرب ظاهرة جديدة عرفت باسم الركود التضخمي (َُّّفهنٌفُّيَُ)، فتراخت معدلات النمو، وزادت معدلات البطالة.

وزاد الأمر سوءاً ميل الشركات العملاقة أو متعدية الجنسيات (multinationals)، إلى الخروج خارج حدود الدولة الأم، بحثاً عن ربح أكبر وعمالة أرخص.

لا عجب أن زاد الهجوم على الرأسمالية من جديد في أواخر الستينات وطوال السبعينات. ففي عام 1968 قامت ثورة الشباب في فرنسا، ثم امتدت إلى سائر بلاد العالم الغربي، تندد بالمجتمع الاستهلاكي، وتنتقد القيم الرأسمالية.

ثم ظهرت أفكار غير مألوفة تقول إن النمو الاقتصادي له مضار تفوق منافعه، وتدعو إلى تخفيض معدلات النمو بدلًا من رفعها، وحققت كتب ماو تسي تونغ شعبية كبيرة، وكذلك شخصية تشي جيفارا.

كما حقق كتاب يحمل اسم «الأصغر هو الأجمل» (Small is Beautiful) نجاحاً غير مألوف، إذ انتقد الانسياق وراء شعارات الرأسمالية والمجتمع الاستهلاكي.

بل ورفعت منظمة دولية، هي منظمة العمل الدولية (ILO)، شعار إشباع الحاجات الأساسية كبديل لرفع معدلات نمو الناتج القومي، ونشر البنك الدولي كتاباً يعتبر خارجاً عن المألوف في الكتب الصادرة عنه، عنوانه «إعادة التوزيع مع التنمية» (Redistribution with Growth) وكأن البنك العتيد يحاول كسب ود الحركات الجديدة المنادية بمزيد من العدالة.

ولكن مع قرب انتهاء عقد السبعينات، ظهر أن ثورة تكنولوجية جديدة قادمة وواعدة بنمو اقتصادي سريع، وهي ما عرف باسم ثورة المعلومات والاتصالات. هذه الثورة التكنولوجية تعتبر أحياناً نتيجة مباشرة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وبين الاتحاد السوفييتي والدول الدائرة في فلكه.

كما أن من الممكن رد كثير مما انطوت عليه من تقدم، إلى اكتشافات واختراعات حدثت داخل نشاط وزارة الدفاع الأميركية، وتقوم على استخدام الرقائق الصغيرة (micro chip) في إنتاج وتطوير الكثير من السلع والخدمات.

وللحديث بقية..

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu