في مقالات سابقة عدة، وبشكل متكرر، كنا نؤكد على بداية انحدار المنحنى البياني لنجم إسرائيل. لقد سطع هذا النجم لعقود من الزمن اعتماداً على أساليب ملتوية وحقائق مزيفة وإعلام فذ، دفع ثمنها الفلسطينيون أصحاب الحق، والأراضي التي تم الاستيلاء عليها بطرق مختلفة معظمها تعتمد على الاستيلاء بالقوة.
وبما أن وراء سطوع نجم دولة إسرائيل دعم غربي مادي عسكري ومعنوي ممتد من أوروبا الغربية إلى ما وراء المحيط الهادي، فقد آمن العرب بحقيقة تفوق إسرائيل عليهم، واستحالة صرعها بضربة قاضية، بل توهموا بأن من يعادي إسرائيل فإن مصيره الانتقام.
وبدؤوا بالفعل يتنافسون بعروض السلام عليها، وبأرخص الأثمان، وأحياناً من دون ثمن، وهي عروض تم الاستهزاء بها من قبل دولة تعتبر نفسها أكبر قوة عسكرية في المنطقة.
والاعتماد الأكبر لهذه الدولة، وهي أصغر دولة في الشرق الأوسط، كان قائماً منذ قيامها على العمليات الاستخباراتية أولًا، وعلى العنف الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق المتعارف إليه ثانياً.
وقائمة الأعمال الشنيعة (التي اعترفت بها إسرائيل) التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين بغرض فرض بقائها وهيمنتها وسيطرتها، لا يمكن حصرها.
هذا في الحديث عن المجازر التي ارتكبت تحت ضوء الشمس، وعلى رأسها (على سبيل المثال لا الحصر) مجازر دير ياسين، وصبرا وشاتيلا، وقانا.
وهناك مجازر من نوع آخر ـ الموت هو النتيجة الحتمية لها ـ ارتكبت في حق الفلسطينيين، وتشبه إلى حد كبير وسائل التعذيب التي لا تترك أثراً. فإسرائيل، مثلًا، لا تنكر أنها دولة عنصرية .
وربما هي الدولة العنصرية الوحيدة الباقية في العالم - تتبع وتمارس كل أشكال التصفيات العرقية بحق هذا الشعب الذي عانى ما لم يعانه حتى السود في جنوب إفريقيا. ويجب ألا نتحدث هنا عن الشعب الفلسطيني وحده، فإسرائيل ليست دولة ضد دولة فلسطينية فحسب.
وإنما دولة ضد كل دول العرب والمسلمين مجتمعة، في كل مكان وفي كل زمان، وما يمارس ضد الفلسطينيين منذ أكثر من نصف قرن، ما هو إلا ضربة معلم لتلميذ واحد، كمقدمة لاثنين وعشرين آخرين، ليستعدوا لدور العقاب الجماعي. هذا مع التذكير بأن حلم (امبراطورية إسرائيل الكبرى) يمتد من نهاية حدود مصر مع ليبيا إلى نهاية حدود العراق مع بلاد فارس.
والدليل على هذا ما كشفته الصحافة العالمية قبل أيام من طرد السلطات الأمنية المصرية لمرشدين سياحيين يحملون الجنسية الإسرائيلية، بعد أن اتهمتهم بتضليل السياح عبر إخبارهم أن اليهود هم من بنوا الأهرامات الفرعونية الشهيرة. وهذه مسألة خطيرة تتعلق بتزييف التاريخ والحقائق بطريقة تخدم هدفهم بعيد الأمد.
نقول، إن من خلف الأعمال الإجرامية التي تمارس في وضح النهار، هناك أعمال إجرامية لا إنسانية تمارس في الظلام ـ مدعومة بصمت الأنظمة العربية ـ تفوق في نتائجها بعيدة الأمد عمليات القتل المباشر.
وترتكب يومياً ضد العرب والمسلمين في فلسطين، من خلال تسميم مياههم، وتركهم يعيشون في بيئة قذرة محرومة من أدنى متطلبات الحياة الكريمة، وحرمانهم من أدنى حقوقهم الإنسانية (في الصحة والتعليم والتنقل)، ومصادرة ممتلكاتهم، وتجريف مزارعهم، وتهجيرهم، وغيرها من الممارسات المحرمة وفق القوانين الدولية.
وكما ذكرنا في مقالة سابقة، فإن هذا الكيان اختار أيضاً أسلوب التصفيات والاغتيالات لكوادر فلسطينية وعربية ومسلمة، تشكل - أو قد تشكل في المستقبل - خطراً على هذه الدولة التي بدأت الأرض تهتز من تحت أقدامها، وينحدر مؤشرها العام.
وآخرها عملية اغتيال تمت على أرض الإمارات، نجحت في إصابة الهدف، إلا أنها منيت بفشل ذريع على مستوى المخابرات والإعلام، وفضحت واحدة من الأساليب الإجرامية وضعف دراسة نتائجها والاستهتار بقدرات الغير.
وقد سببت هذه العملية حرجاً كبيراً لدولة إسرائيل وقياديها، وعلى رأسهم رئيس جهاز «الموساد» نفسه، الذي تفاخر في البدء بدقة العملية، وتوقع أن تزيد شعبيته في بلده. إلا أن فشلها الإعلامي وكشف تفاصيل الجريمة من قبل جهاز التحريات في إمارة دبي ـ ونشيد هنا بجهود رجال شرطة دبي وعلى رأسهم القائد العام لشرطة دبي الفريق ضاحي خلفان تميم ـ قد قلبت النتيجة رأساً على عقب، وطالب إسرائيليون من داخل إسرائيل بإقالة رئيس «الموساد» نفسه، الذي لم ينعم طويلًا بفرحة انتصاره.
الواضح أن إسرائيل تمر منذ سنوات قليلة بانتكاسات عدة؛ عسكرية وحكومية ومالية وأخلاقية ومخابراتية وجاسوسية ودولية، أضرت بسمعتها لدى أقرب المقربين إليها من بين أصدقائها في العالم، وخسرت العديد من حلفائها بسبب سوء تصرف قادتها، بعد أن مات ساستها المحنكون.
وبعد أن نشر الإعلام الأميركي الغسيل الوسخ لعمليات الرشاوى والجنس والتهديد والمتاجرة بأعضاء بشرية من قبل منظمات يهودية معروفة تتكاثر في عقر دار الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وحالة الاستنفار التي تعيشها كل يوم من خلال دق طبول الحرب مع إيران وسوريا، وكلها ساعدت على كسر المنحنى البياني الإسرائيلي نحو الأسفل.
النكسة الأخيرة لعملية الموساد في إمارة دبي تضاف إلى رصيد النكسات المختلفة التي منيت بها؛ ابتداء من لبنان إلى تقرير غولدستون بخصوص الحرب على غزة.
وإذا كان قادة الكيان الصهيوني ما زالوا غير مقتنعين بالاستفادة من عبر التاريخ، وبالذات تاريخهم نفسه، فعلى الدول العربية والإسلامية على الأقل الاستفادة من فرصة الانحدار البياني الإسرائيلي لترفع من مؤشرها في المنطقة، وألا تؤمن بشكل أعمى بأن صداقة إسرائيل قد تحميها من شرها وشرورها.
فهذه الدولة آيلة للسقوط لا محالة، وهي غير قادرة حتى على حماية نفسها، وهي لا تؤمن إلا بمصالحها لا غير، وهذه العملية الأخيرة الفاشلة لدليل على أنها قد تعض اليد التي فتحت لها أحد أبوابها، وبرهان دامغ على سياستها العشوائية، وعلى الكيفية التي بنت بها دولتها قبل ستين عاماً.
جامعة الإمارات
