«بعد ستين عاماً من إعلان دولة إسرائيل، وثلاثين سنة من توقيع اتفاقية سلام مع مصر، وخمسة عشر عاماً من السلام مع الأردن، مازال التطبيع العربي مع إسرائيل يواجه بعقبات كبيرة، فكثير من العرب لا يتقبلون إسرائيل كجزء من الشرق الأوسط، وينظرون إليها ككيان غريب زرعته الإمبريالية الغربية في رحابهم من خلال سلب حقوق الفلسطينيين».
«هناك أغلبية عربية تعتقد أن إسرائيل تسعي للتوسع في بلادها بقدر ما تتيحه لها قدرتها العسكرية، وتريد ترسيخ تفوقها على العرب مجتمعين بمساعدة الولايات المتحدة..».
«تزايدت الصعوبات أمام التطبيع العربي الإسرائيلي بفعل نمو قوة الحركات الإسلامية الراديكالية في العقدين الأخيرين. وتشكل هذه الحركات النواة الصلبة جداً لمعارضة السلام مع إسرائيل في الدول العربية والإسلامية وبين الفلسطينيين. ومع أن معظم الدول العربية تتحفظ تجاه هذه الحركات وتعتبرها خصماً لها ومصدر خطر يهدد أنظمتها، إلا أن لهذه الأخيرة تأثيراً كبيراً جداً في الشارع العربي، حتى إن الدول لا تستطيع تجاهل موقفها المناهض لإسرائيل على أسس أيديولوجية..».
«المشكلة الأكبر التي تجعل من الصعب، إلى حد الاستحالة، تطبيع العلاقات مع إسرائيل والعالم العربي، هي بقاء القضيتين الفلسطينية والسورية بلا حل. وما لم يحصل الفلسطينيون على دولة خاصة بهم، وبدرجة أقل ما لم تجر تسوية إسرائيلية سورية، سيعد هذا التطبيع خيانة ومساساً بالآمال العربية العليا..».
«من المتصور أن المعسكر العربي المعتدل وإسرائيل لهما حالياً مصالح إقليمية مشتركة: ضد التهديد الإيراني وإضعاف المحور الشيعي الراديكالي وبعض الأهداف الاقتصادية.. ومع ذلك يصعب توقع تعاون حقيقي بين الجانبين، لأن الدول العربية سوف تتخوف من العمل مع إسرائيل في القضايا العربية الحساسة، وتخشي من رد فعل الراديكاليين، وكذا لإنها لن تجد مبرراً للمضي بعيداً في خطواتها نحو إسرائيل قبل حل المشكلة الفلسطينية..».
«لن تتحقق مشاركة العالم العربي في مسيرة التطبيع والسلام إلا بعد أن تحرز المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين والسوريين تقدماً.. كما أن تعاوناً إقليمياً ضد التهديد الراديكالي لن يمر قبل أن تلوح في الأفق تسوية شاملة للقضايا المعلقة في الصراع العربي الإسرائيلي..».
هذه المقتطفات مأخوذة حرفياً عن تقرير «التقييم الاستراتيجي لإسرائيل لسنة 2009»، الذي أعده مركز بحوث الأمن القومي الإسرائيلي تحت إشراف شلومو بروم وعنات كورتس.. والغرض من إيرادها هنا إثبات إدراك كبار الاستراتيجيين الإسرائيليين لما تعنيه تسوية القضية الفلسطينية سلباً أو إيجاباً بالنسبة لحاضر التعامل العربي ومستقبله مع دولتهم.
والحق أنه باستثناء بعض الشطحات، كتلك التي تبالغ في حديث «المصالح المشتركة» بين النظم العربية وإسرائيل، فإن التقرير يضع يده على العصب العاري لما يدعوه «مكانة إسرائيل في نظر العالم العربي»، وهو تأثير القضية الفلسطينية بدرجة قصوى والتسوية الشاملة المرضية للحقوق العربية في إطار الصراع الإسرائيلي العربي بدرجة أقل.
بهذا، يبدو التقرير عقلانياً ومنطقياً إلى حد ملموس.. وهي خصائص لا تنافسه عليها سوى التصورات المناظرة التي تتولي صياغتها مراكز البحوث والدراسات وورش العصف الفكري الأوروبية والأميركية.
فعلى وجه التقريب، تكاد طبقة المفكرين والمحللين الاستراتيجيين وذوي الاختصاص الموسومين بالموضوعية في رحاب إسرائيل ومحازبيها في عالم الغرب، تجمع على أن العرب لن يتقبلوا إسرائيل أو يخوضوا معها في عملية سلام دافئ أو تطبيع بمعزل عن تسوية مقبولة لديهم للقضية الفلسطينية.
وغالباً ما يظهر عناصر هذه الطبقة في إنتاجهم وعياً بحقيقة أن أكثر النظم العربية «اعتدالاً» لا يسعه مفارقة أو معاكسة أحانين الرأي العام العربي تجاه هذه القضية.
والحال كذلك، لماذا لا تجد هذه التقديرات أصداءً عملية لدى صناع القرار في تل أبيب وعواصم الغرب، واشنطن بصفة خاصة؟. وهل تبلغ الفجوة، أو لعلها الجفوة، بين مراكز التفكير والتخطيط الاستراتيجي وبين النخب المتنفذة هناك، حد إهمال الأخيرين لتوصيات الأولين؟
وإن كان احتمال وجود هذه الفجوة صحيحاً، فما هي كلمة السر في ذلك؟. ترى هل تأمل النخب الحاكمة في تغيير الواقع ذاته وليس مجاراته أو الخضوع لحيثياته وشروطه؟
وما المسافة الزمنية التي تفترض هذه النخب مرورها لإحداث مثل هذا التغيير أو اليأس من نجاحها في إحداثه؟.. ومتى تمل إسرائيل من انتظار الاستسلام الفلسطيني أو العربي ورفع الراية البيضاء أمامها؟.
خلال العقود الثلاثة الأخيرة، هبطت سقوف الحلول المطلوبة فلسطينياً وعربياً إلى ما دون الشرعيتين التاريخية والقانونية الضامنة لحقوق فلسطينية وعربية منتهكة، فمتى تقتنع إسرائيل بأن لهذا الهبوط خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، وأنه يتعين عليها الاكتفاء بما اغتصبته بالقوة العارية؟
وما المطلوب فلسطينياً وعربياً (وربما دولياً أيضاً) لتحقيق هذه القناعة وإكراه إسرائيل على القنوط من محاولتها لدفع الفلسطينيين والعرب إلى كسر هذه الخطوط ؟..
الشاهد في كل حال أن إغفال وصايا الاستراتيجيين من ذوي البصائر الشاملة العميقة، يمثل ظاهرة عامة في أروقة صناعة القرارات الإسرائيلية والغربية.. وهي ظاهرة تكررت تجلياتها في نماذج أخرى، أقربها للذهن الحالتان الأفغانية والعراقية.
ومع هذا الإغفال، عرفنا أن بقاء بعض القضايا على تفجرها وسخونتها وبؤسها، لا يعود إلى ندرة في التوصيفات والوصايا المتبصرة، وإنما لغلبة أصحاب المصالح المادية أو الأيديولوجية من تجار الحروب والمتعصبين الأشرار الذين يقعون على أراء أهل العلم والخبرة صماً وعمياناً.
كاتب وأكاديمي فلسطيني