في لقاء القمة الروسي ـ الأميركي الذي عقد في موسكو صيف العام الماضي، أعلن الرئيس بارك أوباما أن الطرفين اتفقا على ربط تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية مع ملفات الأسلحة الدفاعية، وكان المقصود بذلك هو ملف الدرع الصاروخية التي كانت واشنطن تنوي نشرها في أوروبا الشرقية.
وأعلن الرئيس الأميركي آنذاك تراجع إدارته عن خطط نشر عناصر هذه المنظومة في بولندا وتشيكيا. واعتبرت موسكو هذا القرار خطوة أساسية في إطار التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا.
إلا أن الإدارة الأميركية بدأت تتراجع عن اتفاقاتها مع الكرملين، وعن تصريحات رئيسها، إذ أعلن الرئيس الروماني ترايان باسيسكو استعداد بلاده لنشر عناصر من الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها، مؤكداً أن منظومة الدرع الصاروخية الأميركية لن تضم فقط عناصر برية، وإنما أيضاً عنصراً بحرياً في البحر الأسود.
ولم يقتصر الأمر على رومانيا، وإنما تبين أن الحكومة البلغارية تستعد لنشر عناصر من الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيها، وذلك في حال موافقة الاتحاد الأوروبي.
إن استبدال بولندا وتشيكيا كمواقع لعناصر الدرع الصاروخية الأميركية ببلدان مثل رومانيا وبلغاريا، يعيدنا إلى المربع الأول في العلاقات الروسية ـ الأميركية، لأنه يعني أن واشنطن تواصل تنفيذ خططها بفرض حصار موجه ضد روسيا، ويشكل تهديداً لأمنها القومي.
خاصة أنه يتضمن عناصر جديدة لم تكن في مشروع إدارة بوش، منها الوجود في البحر الأسود، الذي لا توجد فيه غواصات روسية حاملة للصواريخ البالستية، ما يعني أن نشر السفن الأميركية المجهزة بمنظومات الدرع الصاروخية في البحر الأسود يهدد الاستقرار في المنطقة. بل إن المنظومات التي يمكن أن يتم نشرها مخصصة لاعتراض قوات الردع النووي الروسية.
وقد اعتبر الجنرال نيقولاي ماكاروف رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة أن تطوير ونشر منظومة الدرع الصاروخية الأميركية يستهدفان روسيا وإضعاف فاعلية ردعها الاستراتيجي الصاروخي، ولا يمكن التحجج بالمبرر الساذج وهو «التهديد الإيراني»، لأن إيران وصواريخها لا تهدد أي بلد في أوروبا، وإذا كان الأمر أو الهدف إيران، فلماذا بالتحديد نشر هذه المنظومات الأميركية في البلدان الواقعة بالقرب من الحدود الروسية.
لا شك في أن هذه الخطط تثير إحباط موسكو، لأن واشنطن تجري مفاوضات بشأن نشر الدرع الصاروخية في أوروبا من دون مشاورات مع روسيا، كما كان الوضع عليه في فترة حكم بوش.
وهو يشكل ضربة للآمال في الحوار البناء بشأن الدرع الصاروخية بين روسيا والولايات المتحدة في فترة رئاسة أوباما.
ما يجعل آفاق التعاون المحتمل بين روسيا والولايات المتحدة في مجال إنشاء منظومة مشتركة للدرع الصاروخية غامضة. ولعل هذا الوضع يكشف أن روسيا كانت على صواب عندما تعامل الكرملين بهدوء ومن دون اندفاع مع مواقف إدارة أوباما، وتابعت تنفيذ سياساتها الخاصة بتوطيد نفوذها في وسط آسيا والقوقاز، وتطوير تسليح قواتها.
دون الأخذ بعين الاعتبار سيل الانتقادات الغربية، والتي على ما يبدو لم تكن تستهدف سوى تجميد الخطط الروسية، لكسب الوقت وتوسيع الزحف الغربي حول روسيا.
وهذا يؤكد صحة سياسة موسكو الخاصة بالاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وتوقيع اتفاقيات تعاون مع البلدين، تمكن روسيا من لجم السياسات التوسعية الغربية.
وقد أصبح من حق روسيا اليوم وفق اتفاقية إنشاء قاعدة عسكرية روسية موحدة على الأراضي الأبخازية التصدي لأعمال التشكيلات الإرهابية الدولية، وحماية مصالح شعوب الأقليم ومصالحها في مواجهة الزحف الغربي.
كما أصبح من حق موسكو أن تبحث بجدية إمكانية نشر منظومة الدفاعات الروسية المضادة للصواريخ على أراضي أقليم بريدنيستروفيه المجاور للحدود الرومانية لحماية أمنها القومي، وكرد على إمكانية نشر عناصر من الدرع الصاروخية الأميركية على الأراضي الرومانية.
خاصة أن هذا المشروع جاء كمقترح من رئيس بريدنيستروفيه إيغور سميرنوف، الذي طالب موسكو بإنشاء نظام دفاعي على أراضي بلاده.
ولابد أن يدرك الغرب أن روسيا لها الحق في صيانة أمنها القومي، وأنها ستكون مضطرة في حال أصر الأميركيون على نشر درعهم الصاروخية، على اتخاذ إجراءات مماثلة، ما يعني أن واشنطن التي تبحث عن عدو في المجتمع الدولي، تدفع البشرية نحو سباق تسلح جديد ستكون الولايات المتحدة وشعبها هما الخاسران الأكبران فيه، خاصة في ظروف الأزمة المالية والاقتصادية التي تتزايد حدتها كل يوم هناك.
كاتب روسي