يوماً بعد الآخر، يتضح للفلسطينيين أكثر فأكثر، أن مرور المزيد من الوقت في ظل جمود المفاوضات السياسية، من شأنه أن يبدو واقعياً رصيد الحقوق الفلسطينية، التي كانت تعتبر الحد الأدنى، عند انطلاق مفاوضات مدريد للسلام عام 1991، لتصبح سقفاً أعلى.
ففي بداية العملية السياسية، وكشرط مسبق لقبول الفلسطينيين طرفاً فيها، كان على منظمة التحرير الفلسطينية أن تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وأن تقبل بمبدأ التفاوض من أجل إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967 والتي تشمل الضفة والقدس الشرقية وقطاع غزة، وكلها تساوي نحو 22% من أرض فلسطين التاريخية.
ضمن الحساب الفلسطيني، كان الاعتقاد بأن حق عودة اللاجئين، بناء لقرار الأمم المتحدة 194، سيشكل المكسب الأبرز الذي يمكن تحقيقه عبر المفاوضات، إذ لم يكن وارداً إسقاطه كشرط مسبق، حيث جرى تفسير الشرط الذي يتصل بإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، على أنه مطلب ينسجم مع شرط الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ذلك أن الميثاق ينص على إقامة دولة فلسطين الديمقراطية على كامل أرض فلسطين التاريخية، مما يعني تدمير دولة إسرائيل.
الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي اعتمدا مبدأ الغموض الإيجابي استجابة للمبادرة الأميركية بعقد مؤتمر مدريد، لكن كل منهما كان له تفسيره المتناقض مع تفسير الطرف الآخر، لأجندة الحقوق والواجبات التي تتصل بالتسوية النهائية بعد تسعة عشر عاماً على مفاوضات مدريد، والتي فتحت الباب أمام توقيع اتفاقيات أوسلو في أكتوبر 1993، بدا وكأن الأمر لا يتجاوز خلق ظروف جديدة، لتدجين النضال الوطني الفلسطيني الذي تقوده منظمة التحرير، وتكبيلها بعوامل من شأنها أن تعيد صياغتها، وتعيد أيضاً صياغة الاستراتيجية الفلسطينية، وأدواتها، وأشكال أدوات فعلها.
انطلق الفلسطينيون في مفاوضات التسوية، بأمل أن تساعدهم الولايات المتحدة، ويساعدهم المجتمع الدولي، على تمكينهم من الحد الأدنى من حقوقهم كما قبلوها، وكما بدا وكأن العالم يقبل بها. الإسرائيليون على الطرف الآخر، انطلقوا استناداً إلى مبدأ أن ما يطرحه الفلسطينيون من حقوق.
إنما هي الحد الأقصى، الذي لا يقبل به الإسرائيليون، وبأن حجم ونوع الحقوق المتاحة للفلسطينيين لا يمكن أن يتقرر بناءً للقرارات الدولية، وإنما تقررها المفاوضات الثنائية، التي تعكس أولاً وأخيراً موازين القوى.
أولاً: أن القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولة إسرائيل، وأن قبول الفلسطينيين بذلك أو رفضهم، لا يعطل المخططات على الأرض، التي تعمل بشكل حثيث على تهويد المدينة، ودمج القدس الشرقية بالغربية، وإنهاء الوجود الفلسطيني المؤسساتي والسكاني وحتى العمراني فيها.
ثانياً: الضفة الغربية، كجزء من الأراضي المحتلة عام 1967، هي أراض متنازع عليها، وأن قرار مجلس الأمن الدولي، رقم 242، لم يقدم نصاً حاسماً. أوسلو، كثفت إسرائيل من إجراءاتها لمصادرة مساحات واسعة، وبناء المزيد من المستوطنات.
ففي عام 1992، لم يكن عدد المستوطنين في الضفة والقطاع يزيد عن خمسة وتسعين ألف مستوطن، أما الآن فقد ناهز عددهم نصف المليون، وخلال الفترة جرى تحويل بعض المستوطنات إلى مدن كبرى.
ثالثاً: إن تحقيق الأمن الإسرائيلي يشكل الأولوية، وقد ترجمته إسرائيل بأن من حقها نشر أكثر من ستمائة حاجز عسكري في الضفة، وأنها هي التي تفرض طبيعة عمل السلطة وأجهزتها، وتفرض مواصفات الدولة في حال قيامها. وفي هذا الإطار اتخذت إسرائيل إجراءات أمنية خاصة بمنطقة غور الأردن التي تشكل نحو ثلث مساحة الضفة، باعتبارها منطقة استراتيجية لا يمكن لإسرائيل أن تتخلى عنها.
رابعاً: حق عودة اللاجئين، مرفوض جملةً وتفصيلاً، فاللاجئون بإمكانهم العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية. من وجهة نظر إسرائيل، وقد نجحت في تسويقها على المجتمع الدولي وحتى على العرب، بأن عودة ملايين اللاجئين لأراضيهم تعني تدمير إسرائيل.
مبادرة السلام العربية قدمت تراجعاً عن حق العودة، وقبل الفلسطينيون بذلك، إذ ان هذا الحق انتقل من خانة الحق المؤكد وغير القابل للتصرف إلى الحق الذي يخضع للتفاوض لإنتاج حل مقبول وعادل، أما ما هو القبول الواعد فإنه خاضع للعوامل التي تحكم سير المفاوضات وهي هنا موازين القوى.
إذا حاولنا ترجمة هذه الأسس التي انطلقت وتنطلق منها السياسة الإسرائيلية، فإن ذلك يعني بالضبط، أن الإمكانية المتاحة، هي لإقامة دولة فلسطينية على نحو 42% من الضفة.
بالإضافة إلى قطاع غزة، وهو ما تقدم به شارون عام 2001، وهي المساحة التي تتبقى بعد إقصاء القدس وتشكل 16% من الضفة، ومنطقة الغور نحو ثلث الضفة، بالإضافة إلى المناطق التي يصادرها الاستيطان والجدار.
وفي الواقع نلاحظ أن المجتمع الدولي، يركز جهده على موضوع الدولة الفلسطينية، لكن بدون ضمانات أكيدة على حدودها، أما بقية الحقوق فلا يتم ذكرها إلا سريعاً.
وإذا كان الفلسطينيون قد تأخروا كثيراً في مراجعة تجربة المفاوضات، من أجل استخلاص الدروس وتعديل استراتيجيتهم وخياراتهم بما يتلاءم والمخططات الإسرائيلية، فإن انقسامهم بين من يعتمد خيار المفاوضات كخيار استراتيجي وحق.
كما أعلن عن ذلك مؤخراً الرئيس محمود عباس، وبين من يعتبر المقاومة خياره الوحيد، هذا الانقسام، إنما يقدم تبريراً وفرصةً أكيدة لإسرائيل للنجاح في تنفيذ مخططاتها لتقزيم الحقوق الفلسطينية إلى ما دون الحد الأدنى بكثير.
ومع احترامنا للوثيقة المصرية للمصالحة، وهي لم تحظ حتى الآن بتوقيع حركة حماس فإن الأهم الأخذ بعين الاعتبار المصير الفلسطيني، ذلك أن لا المفاوضات وحدها ستحقق إنجازات ولا المقاومة وحدها وبما هي عليه يمكن أن تحقق إنجازات.
والمؤسف الذي لا يغيب عن ذهن المواطن الفلسطيني، هو أن طرفي الانقسام الفلسطيني منشغلان في تحقيق الانتصارات على بعضها البعض، لكن حصيلة تلك الانتصارات، هي هزائم وخسائر صافية للقضية الفلسطينية، ومكاسب محققة لإسرائيل.
كاتب فلسطيني
