انطلقت يوم الجمعة الماضي، بشكل رسمي، الحملة الانتخابية في العراق لانتخاب مجلس النواب في الموعد المقرر لها، وهو السابع من مارس المقبل، وسط أجواء جرى شحنها لتصبح في أشد حالات الاحتقان والتوتر، ليس على مستوى الكيانات المتنافسة فحسب، بل تجاوزت ذلك لتسجل تدخلاً مباشراً من أطراف خارجية عديدة إقليمية ودولية.

والحقيقة أن هذا لم يكن غير متوقع لدى المراقبين، وذلك لأهمية هذه الانتخابات على الصعيدين الداخلي والإقليمي، ناهيك عن أهميتها للدول التي وضعت الأسس الملتبسة والملغومة للعراق الجديد.ليس هناك شك في أن هذه الانتخابات أكثر أهمية من تلك التي سبقتها، والتي وضعت العراق على مسار جديد ليس هناك إجماع حوله، لأنه مثير للقلق والتوجس من حقيقة النوايا المبيتة للعراق، سواء من قبل المحتل أو من قبل بعض من استلم زمام الحكم.

فالانتخابات الجديدة ستكون بمثابة اختبار لمدى استمرار العراقيين في تقبل المسار الذي وضع بلدهم فيه.في هذه الحملة الانتخابية، المفوضية المستقلة للانتخابات ليست وحدها في الساحة مع الكتل والائتلافات المتنافسة على أصوات الناخبين.

وإنما دخل إليها لاعبون آخرون بعضهم من داخل العراق:هيئة المساءلة والعدالة التي حلت بديلاً عن هيئة اجتثاث البعث، والهيئة التمييزية التي تقرر مدى انسجام قرارات الهيئة الأولى مع نص الدستور وروحه، ودخلت إليها كذلك رئاسة الوزارة وكتل سياسية أخرى، في تسييس واضح أضفى شكوكاً على مدى استقلال قرار القضاء العراقي.

كما دخل إليها لاعبون كبار من خارج العراق:السفير الأميركي كريستوفر هيل، ونائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، ولاحقاً وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، وكذلك بعض دول الجوار التي تعمل وراء الكواليس، ودخل إليها بقوة الرئيس الإيراني الذي لم يخف إصراره على بناء عراق جديد، يخضع لمعايير هيئة تشخيص مصلحة النظام في طهران.

دخول جميع هذه الأطراف، غير ذات العلاقة، الداخلية منها والخارجية، لم يكن ذا طابع إيجابي محايد، فقد زاد من احتقان الشارع العراقي، خاصة حين لجأت الأطراف التي تخندقت في موقعين متعارضين، إلى تحشيد الجمهور في تظاهرات غلب عليها طابع الحماس الشديد، بحيث لو قدر لها أن تلتقي لحصلت صدامات خطيرة بينها، مما لا يدعو إلى التفاؤل حول نزاهة ما ستفرزه صناديق الاقتراع.

ما يستحق الرصد في الحملة الانتخابية الحالية، هو تراجع الحظوظ في استخدام الفرز الطائفي كعامل أساسي في تحريك الناخبين والحصول على أصواتهم، فقد تراجعت جبهة التوافق التي كانت كتلة رئيسية في مجلس النواب تمثل العرب السنة، وتفككت كتلة الائتلاف العراقي الموحد ذات الطابع الشيعي.

والتي سيطرت إلى حد كبير على القرار السياسي خلال السنوات المنصرمة، بالتعاون مع التحالف الكردستاني، لتصبح كتلتين باسمين جديدين، وهما:الائتلاف الوطني العراقي برئاسة إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء السابق، وائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي رئيس الوزراء الحالي.

وقد يرى البعض أن هذين الائتلافين لم يتمكنا من التخلي كلياً عن النكهة الطائفية، على الرغم من تطعيمهما بعناصر محدودة العدد من مكونات أخرى، وذلك بسبب استمرار سيطرة الأحزاب والتيارات الدينية على المراكز القيادية فيهما، كحزب الدعوة بتنظيماته المتعددة، والمجلس الأعلى الإسلامي، والتيار الصدري.

أما التحالف الكردستاني فقد أصابه هو الآخر بعض الوهن والإنهاك، إثر الانشقاقات التي حصلت في الاتحاد الوطني الكردستاني مؤخراً، والتي فرضت معادلات توازن جديدة على برلمان إقليم كردستان.هذا مقابل بروز كتلتين كبيرتين، علمانيتا التوجه، هما ائتلاف وحدة العراق برئاسة وزير الداخلية جواد البولاني.

والكتلة الوطنية العراقية برئاسة إياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق، حيث تتمتع هاتان الكتلتان، وبشكل خاص الكتلة العراقية الوطنية، بجاذبية خاصة أمام الناخب، لما تضمه صفوفهما من وجوه متنوعة الانتماءات أضفت عليهما الطابع الوطني العراقي، ولهذا السبب كانت الكتلة العراقية الوطنية الأكثر استهدافاً من قبل الكتل المنافسة.

بالإجراءات التي اتخذتها هيئة المساءلة والعدالة، والتي قضت بإقصاء عدد كبير من المرشحين في هذه الكتلة، وعلى رأسهم بعض الوجوه البارزة في العملية السياسية، بتهم العلاقة مع حزب البعث أو بتهمة الترويج لسياساته، وذلك استناداً إلى المادة السابعة من الدستور العراقي.

ما يجري في الساحة السياسية العراقية ليس تنافساً في البرامج الانتخابية، وليس مقاربات تعتمد معايير العمل السياسي الديمقراطي، كما هو حال التنافس بين أحزاب تخوض الانتخابات في الدول الديمقراطية، وإنما معركة كسر عظم حقيقية ترى فيها الأحزاب التي استفادت، خلال السنوات السابقة، من مواقعها المتقدمة في مؤسسات الدولة، معركة بقاء لها ولنفوذها ومصالحها، وليس أقل من ذلك.

في الانتخابات السابقة، قبل أربع سنوات، سمحت الأجواء السائدة آنذاك بتوظيف الدين والعرق والطائفة والمحافظة والمنطقة والعشيرة، وسمحت بالتستر وراء أردية المرجعيات الدينية، لتظليل المواطن وكسب صوته، وكان من جراء ذلك أن جلس تحت قبة المجلس النيابي عدد كبير من أناس لا يعرف العراقيون عنهم شيئاً، ولم يسهموا إلا في مفاقمة أزمات البلد.

الأحزاب التي أدارت العراق خلال السنوات الأربع الماضية، تقف عاجزة عن تقديم سجل إنجازات يستحق النظر فيه، لذا فهي تسعى إلى تبني أجندة جديدة توظف فيها عناصر جديدة، لخلق معركة ينقسم فيها المجتمع العراقي انقساماً حاداً تصبح هي المستفيدة منه، طالما يبعد الناخب العراقي عن مسيرة السنوات الأربع المتعبة وعن سجلها الخاوي.

أبرز ما في هذه الأجندة هو افتعال معركة جديدة تشغل الشارع العراقي، وهي التخويف من عودة البعثيين إلى الحكم، متهمة بعض الكتل السياسية الكبيرة المنافسة بأنها تعمل على ذلك بالتنسيق مع الولايات المتحدة ومع بعض دول الجوار.

والحقيقة أن تنفيذ هذه الأجندة لم يقتصر على رفع الشعارات السياسية وخوض حوارات بناءة، وإنما دعمتها بقرارات هيئة المساءلة، وأخيراً بالمصادقة على هذه القرارات من قبل الهيئة التمييزية التي لم تخل أجواء عملها من الضغوط.

المعركة التي افتعلت، معركة وهمية بكل معنى الكلمة، لأن الأحزاب السياسية التي مثلت على المسرح السياسي، وكان لها جمهورها وشعبيتها في الشارع العراقي في الخمسينات والستينات، وربما أيضاً في السبعينات الماضية، أصبحت من الماضي، واندحرت المرجعيات الإقليمية والعالمية التي كانت تستمد منها بعض ما يلهمها إذ تمارس نشاطاتها الآن، سراً أو علناً، فهي لا تهدد أحداً بعودة قوتها.

ولعل حزب البعث يأتي على رأس تلك الأحزاب في انتمائه إلى الماضي وفي ضعف فرص عودته.أما استخدامه بعبعاً لإقصاء قوى سياسية مشاركة في العملية السياسية منذ البدايات الأولى لها، فوراءه أهداف أخرى ليست بكل تأكيد في صالح العراق.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae