يتعامل بعض الناس مع تفاصيل الحياة اليومية بشيء من الجفاء والإعراض.. إنهم يعرضون عن أشياء كثيرة، لأنها في نظرهم ليست ضرورية أو «زائدة» عن الحاجة الأساسية، ويرون أنهم لا يجب أن يصرفوا اهتمامهم إلا على ما يخدمهم في حياتهم الآخرة، أما الدنيا فلا تحتاج إلى أن يشغلوا أنفسهم بها كثيرا.

وإذا صرفنا نظرنا قليلا تجاه الحياة نفسها، سنجد أنها مشغولة عن هؤلاء بغيرهم ممن يقبلون عليها وكأنهم يلتهمونها التهامًا.. هي فئة من البشر موجودة بيننا، تقبل على الحياة وكأنها ستعيش أبدا، وتنسى آخرتها وكأنها لا تعلم أن الموت قد يطرق بابها في أي لحظة. في الحياة هذان الصنفان من البشر؛ صنف مقبل عليها وآخر معرض عنها، وبينهما أصناف أخرى تتفاوت إقبالا وإعراضا. وسأقف قليلا عند الفئة المعرضة إعراضا شديدا، التي ترى أننا يجب أن نبني لآخرتنا وألا ننشغل بالدنيا أو نقبل عليها.

لو فكرنا قليلا، سنجد أنه ليس من مصلحتنا ألا نقبل على الحياة ونحرص على أن نعيشها كأفضل ما يمكن أن تُعاش، ولا يعني هذا أن نجعلها أكبر همنا، وننسى آخرتنا، لكن القصد أننا موجودون على هذه الأرض كي نحيا حياتنا الدنيا ونعمر الأرض، وفي طريقنا لكل ذلك، من الطبيعي أن يسعى كل منا لأن يكون في مستوى معيشي ممتاز، يحصل فيه على أفضل شيء من كل شيء يحتاجه أو حتى لا يحتاجه، ابتداء من المتطلبات الأساسية للحياة الإنسانية كالطعام والشراب والمسكن والعلاج، مرورًا بالتعليم والوظيفة المناسبة، وانتهاء بالكماليات التي تصبح في كل يوم أكثر من اليوم السابق.

نسمع دائما أشخاصا يتحدثون عن الحياة الدنيا كأنها مرحلة مؤقتة قصيرة لا يجب عليهم أن يولوها كبير عناية، ويرون أن على الإنسان التفكير في الآخرة فقط، والإعداد لها لأنها دار البقاء. وهذا الكلام صحيح ولا غبار عليه، وهو نابع من ثقافتنا الإسلامية بشكل خاص، لكن الإشكالية تقع في التطبيق فقط؛ فالحياة الدنيا دار زوال دون شك، ولن يعمر الإنسان فيها إلى الأبد، ولا بد لنا من الانتقال إلى الآخرة أو دار البقاء، لكن هل يعني هذا أن نعيش في الدنيا كأننا مسافرون بكل ما تعنيه الكلمة من معان؟ هل يقبل العقل أن نرضى بأقل القليل مما يمكن أن نحصل عليه في حياتنا ونحن نستطيع أن نحصل على الأكثر والأفضل؟ وهل يصح أن نحول المجاز إلى حقيقة فنكون في الدنيا غرباء أو عابري سبيل بكل ما تعنيه الكلمة؟!

هناك أناس يعيشون بالقدر الذي يسمح لهم بأن يبقوا أحياء فقط.. يعيشون وكأننا في سنوات الهجرة الأولى، وليس في القرن الخامس عشر الهجري، أو بعبارة أخرى، في الألفية الثالثة بعد الميلاد، ملقين بكل ما توصلت إليه البشرية من تطور هائل على كافة الأصعدة خلف ظهورهم، ظنا ووهما بأن هذا ما يجب علينا أن نفعله في حياة لن تدوم طويلا ولا بد لها من نهاية، في حين يعملون لآخرتهم ويعدون العدة لها على أفضل ما يكون، لأنها الدار التي سيدوم المقام فيها.

ألا يمكننا أن نوفق بين الاثنين؟ أدرك جيدا صعوبة هذا، لكنه ليس مستحيلا، ومن غير الطبيعي أن نكون على سطح هذه الأرض وأن نتصرف كأننا لسنا هناك، كما أنه ليس طبيعيا أن نعيش في القرن الخامس عشر الهجري بأدوات وذهنيات القرن الأول. وإذا كنا نريد أن نحيط بديننا بكل تفاصيله، فمن المهم أن نقدر العقل الذي يحظى بمكانة شريفة في الدين الإسلامي، لأنه الجزء الذي يستعمله الإنسان للتفكر والتدبر والتوصل إلى وحدانية الخالق جل وعلا.

وهذا العقل البشري هو الذي توصل إلى كل الإنجازات البشرية، بما فيها من أساسيات وضروريات، وبما فيها من كماليات أيضا تبعث السعادة والبهجة في النفوس المتعبة التي تحتاج إلى إنعاش وترويح، وهي حتى إن كانت أمورا كمالية غير أساسية، إلا أنها في بعض الأحيان تتحول إلى جزء ضروري من المهم أن نمنحه لأنفسنا، لا أن نعرض عنها بحجة أنها ستصرفنا عن التعبد وتلهينا عن ذكر الله.

فلسنا في هذه الحياة الدنيا للعبادة فقط، بل لأن نعيش حياتنا بكل تفاصيلها، دون أن يعني هذا المساس بالثوابت الدينية أو العرفية، بل على العكس تماما، يمكننا الاستمتاع بحياتنا مع المحافظة على هذه الثوابت، بل ويمكننا تعزيزها في كثير من الأحيان، إن أردنا ذلك فقط، لا إن أعطينا الدنيا ظهرنا وأغلقنا أبوابنا النفسية، قبل المادية في وجهها.