انتهت معركة انتخابات الرئاسة في أوكرانيا، وفاز فيكتور يانكوفيتش بفارق ضئيل في الأصوات مع رئيسة الحكومة تيموشينكا، وانهالت التهاني على يانكوفيتش من الخصوم السياسيين الذين كانوا يدعمون الثورة البرتقالية بقوة، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي أوباما الذي أرسل تهنئة ليانكوفيتش بالفوز، قبل إعلان نتائج الانتخابات بشكل رسمي من قبل لجنة الانتخابات، الأمر الذي أشعل غضب أنصار تيموشينكا، واتهموا أوباما بعدم اللباقة.

وجاءت التهاني من زعماء الغرب، البريطاني غوردون براون والفرنسي ساركوزي والإيطالي بيرلسكوني، والألمانية ميركل، وأمين عام حلف الناتو راسموسين. وأغرب التهاني كانت من الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، زعيم الثورة الوردية عام 2003 والتي ألهمت البرتقاليين في أوكرانيا للقيام بثورتهم في العام التالي!

وجميع هذه التهاني أتت قبل إعلان النتائج رسمياً، الأمر الذي يمكن تفسيره بأن الغرب ما زال في جعبته الكثير تجاه أوكرانيا، وأنه لن يسلم بالهزيمة وانتصار روسيا. وكيف لا، وأوكرانيا هي الجسر الأوروآسيوي المهم والحيوي. على الجانب الآخر، قابلت موسكو نتائج الانتخابات بهدوء ملحوظ، ودون أية تصريحات انفعالية أو لغة تشفٍّ في أعدائها وخصومها. وبديهي أن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف كان أول المهنئين ليانكوفيتش بالفوز.

ورغم هذا خرج العديد من التصريحات الرسمية، التي تؤكد وتشدد على أن يانكوفيتش ليس مرشح روسيا، وقال قسطنطين كوساتشوف رئيس لجنة العلاقات الدولية في البرلمان الروسي للصحافيين: «من الخطأ اعتبار يانكوفيتش مرشح روسيا وتيموشينكا مرشحة الغرب.

كلاهما يمثل قطاعاً كبيراً من الشعب الأوكراني، وكلاهما سيضع مصالح أوكرانيا فوق كل اعتبار، وهذا هو ما تريده روسيا من الرئيس الأوكراني الجديد، أن يخدم مصالح وطنه وشعبه، وليس مصالح جهات أخرى». هذه التصريحات في موسكو، تعكس بوضوح مدى قلق روسيا من انعكاس نتائج الانتخابات على الشارع الأوكراني بشكل سلبي، قد يؤدي إلى انقسامات حادة واضطرابات قد تكون نتائجها أسوأ بكثير مما جلبته الثورة البرتقالية، وخاصة إذا وقع الانقسام بين شطري أوكرانيا.

فإذا كان يانكوفيتش قد حصل على ما يقارب نصف الأصوات، فإن تيموشينكا قد حصلت على أقل منه بقليل. وهذا يعني أن شعبيتها واسعة النطاق، وأوسع بكثير من الشعبية التي وقفت عام 2004 خلف البرتقاليين، الأمر الذي يعني أن الأوضاع في أوكرانيا ستكون على سطح صفيح ساخن، بل ملتهب يسمح للآخرين بالعبث بها. ولهذا تسعى موسكو لتهدئة الأوضاع، ومن المتوقع أن تسعى لتهدئة الأجواء بين يانكوفيتش وتيموشينكا، وليس من المستبعد أن تضغط على يانكوفيتش لقبول تيموشينكا رئيسة للوزراء، وهذا سيكون أفضل الحلول لضمان الاستقرار في الشارع الأوكراني، وتفادي المؤامرات والدسائس الأجنبية.

ربما يمكن القول إن فوز يانكوفيتش ليس هو النتيجة التي كانت تريدها موسكو بالضبط، وربما كان في السلطة في روسيا من يتمنى لو أن يوليا تيموشينكا هي التي فازت، خاصة وأن رئيس الوزراء فلاديمير بوتين صرح من قبل أنه يفضل التعامل مع تيموشينكا، ويجد راحة كبيرة في التعامل معها.

وقد بذل بوتين جهوداً كبيرة لاستقطاب تيموشينكا، بعد أن كانت تعتبرها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس الحليفة الأولى لواشنطن في أوكرانيا، إلا أن تيموشينكا بذكائها السياسي كانت تعلم جيداً أن شعبية روسيا في الشارع الأوكراني أكبر بكثير من الولايات المتحدة والغرب، ولهذا طرحت الورقة الغربية جانباً، وتمسكت بالورقة الروسية التي أكسبتها شعبية أكبر بكثير من شعبيتها عندما كانت زعيمة للثورة البرتقالية بجانب الرئيس يوشينكو.

وأغلب الظن أن تيموشينكا ما زالت على رهانها على موسكو، وما زالت على يقين بأن بوتين لن يتخلى عنها. وربما لهذا لم تذكر روسيا بأي شكل سلبي ضمن تصريحاتها الحادة بعد هزيمتها في الانتخابات، بينما على العكس، هاجمت واشنطن واتهمت الرئيس أوباما بعدم اللباقة، لأنه هنأ يانكوفيتش قبل إعلان النتائج رسمياً. والأغلب أن الأمور لن تهدأ في أوكرانيا، بل ربما تزداد حدة الصراع ونشهد ثورة ملونة جديدة هناك.