عشية مؤتمر لندن ل«دعم اليمن» في 27 يناير الماضي، عرض وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي صورة لأحوال بلاده من الداخل، تكاد تخلو من عمليات التجميل أو التجمل التي طالما عهدناها في نماذج مشابهة.
قال بصراحة متناهية إن المشكلة الاقتصادية هي السبب الأكبر لجميع المحن التي يواجهها اليمن الآن.. «فهناك مشكلات الفقر والبطالة وضعف التنمية.. إذ يعيش 42% من اليمنيين البالغ عددهم 23 مليون نسمة، على أقل من دولارين يومياً (وهذا هو حد الفقر)، ويصل العاطلون إلى 30% من قوة العمل. ومصدر الإيرادات الوحيد تقريباً وهو النفط، انخفض نصيبه مؤخراً من 70% من الدخل الوطني العام إلى 50%، بالنظر إلى هبوط الأسعار والإنتاج على حد سواء..».
هذا الوضع مسؤول في نظر القربي عن اتجاه نسبة من الشباب اليمني (65% من مجموع السكان!) إلى التشدد الذي يقود إلى التطرف والإرهاب.. ولم يخف الرجل هواجسه من أيلولة اليمن إلى أن «يصبح دولة فاشلة، ما لم يساعده المجتمع الدولي على تطوير اقتصاده لصرف الشباب عن هذا المصير..».
في اليمن اليوم ضفيرة من المشكلات الساخنة المتزامنة، التي من شأنها تغييب الاستقرار والأمن إلى أجل يصعب تحديد مداه. وحديث القربي، الذي يبوح بما يعتمل في صدر صنعاء، يعزو هذه الظواهر وتوابعها إلى عوامل ومتغيرات داخلية في الأساس. وهذا تكييف وتعليل، ولعله اعتراف، يندر العثور على نظائر له في المنظومة العالمثالثية عامة، والعربية خاصة.
ولو أن المسؤول اليمني استطرد إلى أبعد من ذلك في توصيفه لهذه العوامل، كتفشي الفساد وتراكم القيود على الحريات العامة وسوء توزيع الثروة المحدودة أصلاً، لكان هذا حكماً بأن الخارج ومؤامراته غير مسؤول عن تأزيم الوضع اليمني.
لكن هذا الحكم يبدو، أولاً، مجافياً لسوابق حيثيات الأزمات الداخلية والمنازعات الأهلية في الرحاب العربية. كما أنه يتعارض، ثانياً، ودفوع مسؤولين يمنيين آخرين بأن ثمة قوى إقليمية، وربما دولية تحيك المكائد لليمن، وتظاهر العاكفين على إثارة الفتن الطائفية الدينية والعاملين على تعزيز الميول الانشقاقية فيه.. ثم إن تنسيب أزمات اليمن الملتهبة راهناً إلى متغيرات داخلية بحتة، لا يتسق ومجريات الأحداث ومنطقها على أرض الواقع.. فمن أين للمتمردين وأنصار القاعدة التمويل اللازم من المال والسلاح والعتاد في مناطق يطحنها الفقر؟
ومن أين للانفصاليين ودعاة التشطير المضي في توجههم والغلو فيه بمعزل عن المؤازرة الفكرية السياسية والتغطية الإعلامية الدعائية من قوى خارجية؟ وكيف تتأتى لهؤلاء الأخيرين حصانة إطلاق دعوتهم وتسويقها، دون هوامش سماح واسعة، وربما تواطؤ، في العواصم التي يتجولون بينها؟!
الحالة اليمنية لا تفتقر للمتربصين في الخارج، المهمومين بتغذية واقع التجزئة العربي وإضافة مصاعب ومصائب جديدة إليه، تفاقم العجز العربي من مدخل إلهاء أعضاء جسده وإنهاكها بحمى الحروب الأهلية. ولماذا لا نفترض أن المرجفين في الخارج، من قوى إقليمية أو دولية، قد أعملوا مباضعهم في اليمن ليضيفوا جروحاً أخرى للعرب، بعد الجروح التي أثخنوهم بها وما زالوا في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان؟
يعتقد البعض أن مبالغة القربي وآخرين من أقطاب السياسة اليمنية في تعليق الوضع اليمني المتأزم بذمة العوز الاقتصادي والفقر والبطالة، إنما تستهدف استدرار العطف والدعم الخارجي، بعد استفزاز مخاوف كبار الأغنياء والمانحين على مصالحهم الإقليمية داخل اليمن وفي جواره. وأن هذه المبالغة قد أتت أكلها حين قرر ممثلو 21 دولة في اجتماع لندن عقد «مؤتمر للدول المانحة لليمن» يومي 22 و23 فبراير الجاري. مثل هذا التعليل ينطوي في حال صحته على أخطار جمة. فالتغافل على مخططات القوى الخارجية ونياتها السلبية تجاه اليمن، يصرف الانتباه عن التشخيص الحقيقي والواقعي لأسباب الأزمة، وبالتداعي فإنه لا يخدم أجندة الباحثين عن علاج ناجع لها.
وانتظار المدد، أو بالأحرى استجداؤه من الخارج، يفهم على أن هذا الخارج جزء من حل الأزمة وليس جزءاً من بواعثها، وهذا لا يستقيم ومنطق السياسة الذي يقوم على المصلحة لا العواطف. ما يتعين فهمه، هو أن مساعدات أهل الخارج ومنحهم سوف تشرع أبواباً لتغلغلهم الى الداخل، ويخطئ من يشطح به الخيال إلى تصور مناقض لذلك.