أكد مندوب روسيا الدائم لدى الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيجوف، أنه لا أساس في الوقت الحالي للادعاءات التي تشير إلى أن عناصر الدرع الصاروخية الأميركية المزمع نشرها في رومانيا، ستكون موجهة ضد الخطر الإيراني المحتمل، لأن إيران لا تملك حالياً صواريخ يصل مداها حتى بولندا ورومانيا، ومن المستبعد أن تحصل عليها في المستقبل القريب.

لقد بات قرار الولايات المتحدة بنشر عناصر من منظومتها المضادة للصواريخ في رومانيا في الأسابيع الأخيرة، في مركز صدارة اهتمام الرأي العام. وكان رد الفعل الروسي متوقعا تماما، فقد طالبت واشنطن بأن توضح ماهية تلك البنى التحتية التي تنوي نشرها في رومانيا.

وفي الوقت نفسه يجب ألا يفوتنا أن رد الفعل الروسي، كان في هذه الحال أقل شدة بكثير من رد موسكو على المخطط الأميركي الرامي إلى نشر صواريخ اعتراض في بولندا ومحطة رادار في تشيكيا، في وقت سابق. ولكن هذا الموقف الأخف يسهل شرحه، لأن الصواريخ المزمع نشرها في رومانيا لن تشكل تهديداً للقوات النووية الروسية.

ومن حيث الواقع ستخصص القاعدة المراد نشرها بحلول عام 2015 في رومانيا، لحماية دول شرق أوروبا ووسطها من الغارات الصاروخية الإيرانية المحتملة، حيث إن هذه الصواريخ تستطيع اعتراض الصواريخ الإيرانية المتوسطة المدى (مثل «شهاب 4» و«شهاب 5» الجاري تطويرهما بمدى عملهما 2800 و4300 كلم على التوالي)، إما في وسط خط سيرها أو في نهايته، في حين أن هذه الصواريخ الأميركية عاجزة تماماً عن إبداء مقاومة فعالة للصواريخ البالستية الروسية العابرة للقارات، سواء أكانت الصواريخ مرابطة في المواقع الأرضية في رومانيا (أو بولندا، مثلا) أو على متن السفن في البحر الأسود أو بحر البلطيق.

إذن، ما هو السبب الكامن وراء قلق روسيا إزاء المبادرة الأميركية الجديدة؟

يعود هذا السبب، أولا، إلى أن الولايات المتحدة اتخذت قرارها الجديد الذي سيؤثر، حتماً، في توزيع ميزان القوى في أوروبا بدون أي مشاورات مع روسيا، وثانياً، إلى الغموض الذي لا يزال يكتنف شكل التركيبة العامة للمنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا، والذي لم يتم «تجميده» حتى بعد إعلان الرئيس أوباما التخلي عن نشر الصواريخ في بولندا والرادار في تشيكيا.

وفي الوقت نفسه، لا تمانع روسيا في نزوح مواقع المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في اتجاه جنوب أوروبا وتركيا، الأمر الذي أشار إليه في عام 2007 رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية آنذاك الجنرال يوري بالويفسكي.

ومن جانب آخر، ليس ثمة وضوح كامل في ما يخص التغيرات القادمة التي قد تعيشها المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا، مما يحمل في طياته خطر حدوث تعقيدات جديدة في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة. وما دامت مسألة اختيار الشكل النهائي للمنظومة معلقة، يبقى هناك احتمالان لنشرها في أوروبا.

يتمثل الاحتمال الأول (المضاد لإيران) في توجيه النظام الصاروخي ضد إيران، وحينئذ ستنشر كل القواعد والرادارات في جنوب أوروبا وفي تركيا، مع التركيز على الصواريخ المخصصة لاعتراض الصواريخ المتوسطة المدى.أما في ظل الاحتمال الثاني (المضاد لروسيا) فسينتقل مركز ثقل المنظومة إلى بولندا، حيث قد تنشر الصواريخ القادرة على اعتراض الصواريخ البالستية.

يفصل بين الاحتمالين فرق ضخم، ولكن لا يجوز لنا أن نستبعد كلياً ظهور الاحتمال الثالث، ألا وهو أن الولايات المتحدة قد تغير من جديد مخططاتها، وتختار مواقع أخرى في أوروبا لنشر صواريخها بشكل لا يكون موجهاً ضد أحد سوى روسيا، عندئذ ستبرز إلى مركز الصدارة قضية توقيع معاهدة جديدة حول تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية (ستارت ـ 2)، وسوف تصر روسيا على إدراج البنود التي من شأنها وضع قيود على نشر منظومات للدفاع المضاد للصواريخ، في نص المعاهدة.

فإذا تم التوصل إلى اتفاق على ذلك، فسيكون من الممكن القول إن الولايات المتحدة مستعدة لقبول حل وسط لمسألة الحفاظ على ميزان القوى الاستراتيجي القائم مع روسيا. وفي الحالة المعاكسة، سيتعين على روسيا أن تعد نفسها لمواجهة حدوث تغييرات جذرية من جديد، في المخططات الأميركية.