الإعلان عن الوثيقة الوطنية كأجندة عمل رسمية لجميع وزارات الدولة، بما فيها المؤسسات والهيئات الحكومية، يعد أقرب ما يكون إلى ميثاق شرف تنطلق منه جميع سياسات الدولة واستراتيجياتها القريبة والبعيدة، فالوثيقة التي حددت بعض المرتكزات التي تعنى بجوهر التنفيذ لمهام المسؤول والفرد في الدولة، وضعت نصب العين مركزا متقدما تتبوؤه الدولة في المستقبل المنظور.

وتحديدا في العام 2021 الذي سيصادف العام الخمسين من عمر الوطن الاتحادي، ومن المؤلم لو صادفنا في عامنا الخمسين المشكلات والعقبات نفسها التي تواجه اندفاعنا اليوم نحو التجربة الأكثر تميزا، سواء تنمويا أو اقتصاديا أو سياسيا. ولعل رؤية صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، قد وضعت تحديا كبيرا أمام المسؤولين، إلا أنها تركت السقف مفتوحا أمام المنجزات وإمكانيات تذليل الصعاب، وأعطتهم دفعة معنوية كبيرة، حين أعلن سموه أنه لا تغيير وزاريا جديدا، لمنح المزيد من مساحة الأمان للعمل والإبداع.

والحقيقة أن مستقبل دولة الإمارات لن يقوم إلا بسواعد أبنائها، ولذلك نصت الوثيقة على هذا العنصر المهم الذي يحتاج دوما إلى تبني وتعزيز وصقل تجربته، ومنحه المزيد من الثقة للعطاء، لأن إجهاض بعض المشروعات الفردية الواعدة لبعض أبناء هذا الوطن، دفع بعضهم إلى التواري.

فالشروع في صياغة مستقبل ناهض ونوعي، يتوازى مع رؤية القيادة الرشيدة لهذا الوطن الحبيب، ولا بد أن يقوم باستقطاب تلك العقول النابضة واستيعابها من جديد للاستفادة من تجاربها، إلى جانب ضرورة إعادة النظر في عملية تأهيل العنصر البشري المواطن، خاصة وأن الدولة بحاجة إلى جميع التخصصات وفي كافة المجالات، وهذا لن يتسنى إلا بإعادة تقويم مخرجات التعليم مرة أخرى، فالمشروعات الحضارية التي أصبحت رائدة في منطقتنا والتي تستقطبها الدولة، بحاجة إلى العنصر المواطن الذي يستطيع ان يدير مؤسساته بمهارة عالية.

فالتحدي الأكبر الذي ينتظرنا في العام الخمسين لعمر الاتحاد، هو هذا الإنسان الذي قد يصبح عملة نادرة في هذا المد السكاني الأجنبي الذي يخلخل تركيبتنا السكانية. لذا ننتظر تفعيلا اكبر لهذا العنصر الذي تثمنه الوثيقة الوطنية، وننتظر من الإماراتيين جيلا جديدا وزيادة عددية، من خلال تشجيع السياسة الإنجابية للمواطنين التي بدأت بالتراجع نتيجة عدة عوامل، لعل أهمها ارتفاع مستوى المعيشة الذي جعل البعض منهم يركن إلى تحديد النسل، مما يعمق جرح الخلل في التركيبة السكانية. فنتوقع من الحكومة استراتيجية بعيدة المدى، لضمان زيادة سكانية مدروسة، وليست طفرة مرعبة تفاجئنا وتستنزف مواردنا وتهدد بيئتنا وأمننا.

العنصر الآخر الذي تحض عليه الوثيقة، والذي يعد أساس لحمة هذا الاتحاد وضمان مستقبله، ومعاجزا للتحديات التي تواجهه، هو وحدة المصير المشترك بين الإمارات السبع، وهو بدوره عنصر مؤثر ومحوري. فهذه الإمارات التي انصهرت في كيان أعظم متين ومتحد، جاء نتيجة نجاح المؤسسين الحقيقيين الذين وقفوا في وجه الصعاب، وأسسوا لتجربة نوعية فيدرالية، أثبتت صمودها أمام رياح الفشل التي عصفت ببعض التجارب الوحدوية في الوطن العربي الكبير.

ومن منطلق النجاح والفشل، ينظر المواطن بحرص إلى المزيد من الانجازات، وخاصة في عملية التنمية والنهوض بجميع الإمارات إلى المستوى المطلوب، والذي لا يدع المجال أمام أي إحساس بعدم المساواة الذي قد يخامر البعض حين تتم المقارنة بين الإمارات السبع، وقد يكون هو التحدي الأكبر الذي ينظر اليه بعين الاعتبار، والذي مع قيام فورة حقيقية في التنمية المستدامة لكافة إمارات الدولة، فإن الجيل الثاني من حكام الإمارات سوف يسطرون أسماءهم من نور كخير خلف لخير سلف، وستثبت الأيام أن استشراف المستقبل الذي وضعته القيادة سيكون نموذجا لبناء التجارب الوحدوية الناجحة وتفعيلها.

الوثيقة الوطنية باتت تمثل هاجسا لدى الفرد في دولة الإمارات، لانها تختصر رؤية القيادة التي تنظر إلى الواقع بمسؤولية كبيرة، في ظل تداعيات اقتصادية ضخمة. لذلك اتسمت بدرجة عالية من الشفافية، ولخصت كثيرا من العوامل التي تراهن على مستقبل أفضل للإمارات.

ولعل بعض الدول تتبني الاستراتيجيات عبر مجالسها النيبابية والتشريعية، ولكن خصوصية التجربة السياسية في الدولة وحرص الحكومة على تحمل جانب كبير من المسؤولية، جاءت لتضع النقاط على الحروف، فلا وقت لمزيد من التجارب الفاشلة، والاستراتيجيات غير الفاعلة، وروتينية اللجان، إنما هو العمل والفعل، ومن ثم تحقيق المنجز.

فأجندات العمل التي تتبناها الوزارات الاتحادية قد لا يتسع المجال للحديث عنها، ولكن من المناسب أن تكون اقرب للتنفيذ من الرؤى والأحلام. فالإنسان بشكل عام يؤمن بالنتائج الملموسة، وليس إلى البرامج المستقبلية التي قد تبلغ عنان السماء ومن ثم تتبخر وتتبدد، ولا نريد ان نحصي كم الاستراتيجيات التي فشلت على مدى سنوات الاتحاد بحيث لم تقم لها قائمة، سواء في مجال التعليم أو الصحة أو غيرها.. لذا يتطلع المواطن في عامه الخمسين إلى مستقبل أفضل في جميع المجالات، والاهم هو مستقبل هويتنا الوطنية الذي لا يزال يمثل المشهد الأكثر غموضا عند الجميع، وتبقى بجانبه التحديات الأخرى أكثر سلاسة.

إذن، نحو عام 2021 نشد الرحال لنعيش جو العمل الدؤوب، والمسؤولية الضخمة التي تشعرنا بأننا أقرب للنجاح من الفشل، فأمامنا سنوات قليلة لانجازات تظل أكبر بكثير من الوقت. ويظل المنجز الحقيقي هو المحافظة على هذا الكيان صامدا ومتناغما، والإحساس به يكبر يوما بعد يوم.. ونستطيع القول منذ هذه اللحظة إن العد التنازلي نحو اليوبيل الذهبي قد بدأ فعلا.