من الأشياء القليلة التي يتفق عليها الاقتصاديون في ما يتعلق بالأزمة الراهنة، السبب المباشر الذي أدى إليها، وهو انفجار فقاعة الائتمان العقاري.
فالمؤسسات المالية (من بنوك الائتمان العقاري وبنوك الاستثمار وغيرها من البنوك وشركات التأمين)، توسّعت بأكثر من اللازم في تقديم القروض لتمويل شراء المنازل، أو في قبول الرهونات لها، أو التأمين على القروض بضمان هذه المنازل. ونقصد بهذا التوسع الأكثر من اللازم عدم اشتراط ضمانات كافية للسداد، وتقديمها القروض لمن لا تسمح له الظروف بالسداد في المواعيد المتفق عليها.
كان هذا الوضع قابلا للاستمرار طالما استمرت أسعار المنازل في الارتفاع، ولكن بمجرد أن يبدأ العجز عن السداد، ويشرع المقرضون في محاولة استرداد قيمة قروضهم بعرض هذه المنازل للبيع، تميل أسعار المنازل للانخفاض، فلا يحصل المقرضون على قيمة قروضهم كاملة، فتقل السيولة في أيدي البنوك والمؤسسات المقرضة أو الضامنة، فينخفض الطلب على المنازل، فإذا بأسعارها تنخفض بدرجة أكبر، وتزيد حالات العجز عن السداد، وهكذا في حلقة جهنمية.
هذا التفسير معروف ومقبول، ولكن بمجرد أن نسأل عما أدى بالبنوك وسائر مؤسسات الائتمان إلى الوقوع في هذا الخطأ، تختلف الآراء والتفسيرات. فالبعض يفسر هذا الخطأ المتمثل في التوسع أكثر من اللازم في تمويل شراء العقارات بمحض الجشع، أي محاولة تعظيم الأرباح حتى مع ارتفاع درجة المخاطرة. وقد يضيف البعض أن المدخرات التي تدفقت على البنوك وبنوك الاستثمار الأمريكية، من دول البترول ومن الصين، شجعت على هذا التوسع في الائتمان، وعلى المخاطرة في ذلك، في ظل ضخامة حجم الأموال المعروضة للإقراض.
ولكن البعض يقولون إن مجرد رد الخطأ إلى الجشع غير كاف لتفسير ما حدث. فالطمع في تحقيق أقصى الأرباح موجود دائما، ولا يحد منه إلا الرقابة (زمهٌِّفُّيَُ) المفروضة على المؤسسات المالية، من جانب الحكومة والهيئات العامة. فالأزمة سببها في الواقع الإفراط في تخفيف الرقابة (مْمهٌِّفُّيَُ)، وهو مسار بدأ منذ نحو ثلاثين عاما، مع ميل الدولة، حتى من قبل الريغانية والتاتشرية (نسبة إلى الرئيس الأمريكي ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية في الثمانينات مارغريت تاتشر)، إلى سحب يدها بالتدريج من التدخل ومن مراقبة القطاع الخاص، فألقت بالحبل على الغارب لمختلف أوجه الاستثمار الخاص، بما في ذلك تقديم القروض، مما أدى إلى وقوع مخاطرات غير محسوبة.
هناك رأي ثالث، هو عكس الرأي الثاني بالضبط، ويذهب إلى أن سبب الأزمة ليس هو الإفراط في (مْمهٌِّفُّيَُ)، أي في ترك الحبل على الغارب للنشاط الخاص، بل هو العكس بالضبط، أي إفراط الحكومة في التدخل. من بين القائلين بهذا الرأي أستاذ اقتصاد مرموق في جامعة هارفارد (جيفري ميرون)، الذي قال إن الأزمة المالية الحالية جاءت كنتيجة مباشرة لتدخل الدولة في الولايات المتحدة، بتشجيعها لمالكي العقارات على أخذ القروض، وتشجيعها للبنوك التجارية والاستثمارية وغيرها على منح هذه القروض.
إن الولايات المتحدة، طبقا لهذا الرأي، وبعكس ما يقول خصوم الرأسمالية، لم تتبع سياسات مفرطة في تحررها من تدخل الدولة، لا خلال العشر سنوات الأخيرة ولا خلال القرن الماضي كله، إذ لو كان الأمر كذلك، لكانت البنوك عندما تمر بفترة من نقص السيولة، تمتنع عن سداد قيمة الودائع عندما يطلبها أصحابها، ولقالت لأصحاب الودائع «معذرة، لا يمكنكم الحصول على نقودكم كاملة الآن»، وبهذا يمكن للنظام المصرفي أن يتفادى «السقوط بالجملة».
يقول الأستاذ ميرون: «في بلد مفرط في الليبرالية لا يوجد بنك احتياطي فيدرالي»، هذا البنك الذي ارتكب في نظر ميرون أخطاء أدت إلى الأزمة الحالية، كما حدث عندما تسبّب في استمرار معدل الفائدة منخفضا لمدة أطول من اللازم، «نافخا بذلك فقاعة العقار التي كان لها دور رئيسي في اضطرابات السنتين الأخيرتين».
وإجمالا، يقول الأستاذ ميرون «في البلاد الليبرالية، يجازف الأفراد وأصحاب الأعمال، ويفكرون مليا في عواقب مجازفتهم وطبيعية المخاطر المحدقة باستثماراتهم. فقد يجني البعض منهم الكثير من وراء مجازفتهم الذكية، لكن البعض الآخر قد يخسر، وهكذا يسحبون من أرباحهم في زمن الرخاء ما يعوضون به خسارتهم في زمن الشدة والأزمة».
اعتراضي على هذه الآراء الثلاثة، هو أنها كلها ترد «الأزمة إلى مجرد الخطأ»، سواء كان خطأ أخلاقيا، بالتأكيد على جشع الرأسماليين، أو خطأ في السياسة الاقتصادية، بالإفراط في تحرير النشاط الخاص من القيود، أو (بالعكس) بالإفراط في تدخل الدولة. بينما لو نظرنا إلى ما حدث كمجرد مرحلة في تاريخ الرأسمالية الطويل، لاكتشفنا أن ما حدث كان حتميا، أو شبه حتمي، وأن المجهول أو المصادفة يكمنان فقط في التوقيت. فإذا صح القول بأن ما حدث كان حتميا، يتضح أنه لم يكن مجرد خطأ يمكن تصحيحه، بل إن علينا فقط أن نبحث عن أفضل الطرق للتعامل معه.
سوف أغامر في المقال القادم، بتقديم تفسير للأزمة من منظور تاريخي، وهو المنظور الذي يظهرها كما لو كانت شيئا حتميا.
