المجلس الوطني هل إليه حاجة؟

المجلس الوطني هل إليه حاجة؟

مر من السنين على تأسيس المجلس الوطني الاتحادي ما يقارب الأربعين.. وهي فترة ليست قصيرة في تاريخ المجالس الشوروية أو النيابية في العالم العربي، وخاصة في المنطقة الخليجية. وهذا يعني أن المجلس رافق قيام اتحاد الإمارات السبع منذ السنين الأولى من نشأته، إذ عقد جلسته الأولى عام 1972، أي بعد قيام الاتحاد بسنة تقريباً.

وبالرغم من هذه السنين الطويلة، ظل المجلس في مكانه، ويدور حول نفسه في حلقة غاية في الضيق.. وإن المؤرخ المتابع لمجريات الأمور في دولة الإمارات، يصاب بالإعياء، إذا أراد أن يبحث عن الحسنات والمنافع من وراء وجود مؤسسة كهذا المجلس في بلد فيدرالي التكوين السياسي، يتمتع فيه الحكم المحلي بالصلاحيات الواسعة في إدارته المحلية، وليس للأجهزة الاتحادية متسع من الحركة والنشاط في المسائل الخاصة بالشأن المحلي في كل إمارة، اللهم إلا إذا كان هذا الشأن فيه علاقة أو مساس بالأمن القومي..

ومن المفهوم أن الأمن القومي ومراقبته في عصر كعصرنا هذا، الذي يبغي فيه الباغون ويتعسف فيه المتعسفون، تضطر الدول حياله إلى أن تعد له ما استطاعت من قوى خاصة وشديدة المراس لمجابهته، في حين أنه لا حول ولا طول للمجالس النيابية في أي مكان مهما كان تأثيرها وقوتها، أن تشارك في تيسير أمور أمن الدولة والأمن القومي اللذين تختص بهما أجهزة الدولة لوحدها، لأنهما في غاية التعقيد ويحتاجان إلى خبرة ودراية تامتين، لا قبل لعضو أو أعضاء في المجالس الاستشارية والتشريعية بها.

ولا يتعلق عدم الجدوى من وجود مجلس استشاري عام، كالمجلس الوطني الاتحادي، بالمجلس نفسه أو بأعضائه أو بوجود نواقص في جهازه الإداري، أو بعدم قدرة أعضاء المجلس على المشاركة في الشأن العام للأمة.. فالمجلس الوطني الاتحادي، كانت له مشاركته ونشاطه في الأمور المختلفة وفي مناسبات معينة، لا سيما في السنين الأولى من عهده.

وإذا عدنا بالذاكرة إلى تلك السنين، السبعينات من القرن الماضي مثلاً، لوجدنا أن المجلس كان له من النشاط ما يترك أمام الباحث مجالاً لتسجيل الحوادث بشيء من الإعجاب..

كما أن بنية المجلس نفسه أو هيكلية بنيانه أصابها تغيير ملحوظ، وخطت هذه البنية نحو شيء من التطوير، إذ تحوّل مبدأ التعيين الكامل لأعضاء المجلس إلى طريقة انتخابية جزئية، كخطوة وبادرة حسنين من الدولة للتمهيد لانتخابات عامة في المستقبل، إذا أثبتت التجربة فائدتها المرجوة، وعمّت لدى المرشحين والمنتخبين ثقافة الانتخابات التي ما زال الإلمام بها سطحياً يفتقر إلى العمق، ليس عندنا وحدنا، بل في المنطقة الخليجية والعربية على السواء.

ولكن حديثنا وقولنا بعدم الجدوى يتعلق بتركيبة الدولة الاتحادية، هذه التركيبة التي تجعل من وجود مجلس اتحادي عام مركزي، محدود النفع بالمقارنة مع المجالس المحلية في كل إمارة على حدة، كالمجالس البلدية، والمجالس الاستشارية والتنفيذية المحلية، وكذلك غرف التجارة والجمعيات الأهلية..

وفي اعتقادي أن التركيز على إنشاء المجالس المحلية، وإعطاء هذه المجالس الصلاحيات اللازمة لإدارة الشأن المحلي في كل إمارة، وقيام هذه المجالس بالمراقبة والمساءلة لما يجري من أمور داخل الإمارة، هذا الإجراء أولى وأجدى من وجود مجلس استشاري اتحادي عمومي كالمجلس الوطني.

ولكي تنجح المجالس المحلية في القيام باحتياجات المدينة وفي الحدود الجغرافية التي تقع تحت مسؤولياتها في أنحاء الدولة، لا بد أن تخصص لها موازنة في ميزانية الدولة، ويتم الصرف من بنود هذه الميزانية على البنى التحتية والمنافع الأخرى لتطوير الخدمات، كالصحة والتعليم الابتدائي والعالي، ومساعدات الشؤون الاجتماعية والعاطلين عن العمل والإسكان.. وذلك بالإشراف والمراقبة والتنفيذ من المجالس المحلية ووزارات الدولة المختصة.

وفي رأيي ان ما يصرف الآن على شؤون المجلس الوطني الاتحادي، من مخصصات ومرتبات وعلاوات ضخمة تصل منافعها إلى فئة قليلة من الناس، وهي ليست بحاجة إليها بأي حال من الأحوال، لأن الغالبية العظمى من أعضاء هذا المجلس من أهل اليسار والغنى..

ومن الأولى والأجدى كما قلنا، أن تحول هذه المخصصات التي تناهز الأربعمئة مليون من الدراهم سنوياً، إلى مشاريع خدمية تعم منافعها الناس جميعاً.. لأن ما ينفع الناس هو الأساس، وهو ما يسعى إليه المسؤولون الكبار والقادة في الدولة.. وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وهو الذي يكون من الباقيات الصالحات.

كاتب إماراتي

agh@corys.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات