أياً كانت زاوية النظر تجاه الوثيقة الوطنية لدولة الإمارات، فإن قراءة السطور وما بينها لا بد أن توصل إلى مجموعة من العبر والاعتبارات الوطنية، التي يمكنني في هذا السياق تسميتها بالخلاصات.
ولعل أول تلك الخلاصات يتعلق بالتوقيت في شقيه؛ ذلك المتعلق بموعد صدور الوثيقة، والآخر المتصل بمحطة 2021 ذاتها. فالوثيقة تصدر في ظل انشغال عالمي بتداعيات الأزمة العالمية. وبينما يكثر الحديث هنا وهناك عن الحاضر والماضي، ويتعالى التلاوم (وربما التشفي) بشأن ما حدث وما لم يحدث، ها نحن مرة أخرى نؤكد أننا أناس مسكونون بالمستقبل، ومتطلعون دوماً إلى الأمام، وأننا لن نسمح لعملية استقاء العبر من الماضي بأن تتحول إلى أي شكل من أشكال الجمود.
وفي ما يتعلق بمحطة 2021 الذهبية، فإن كل من خبروا تجارب الوحدة الطوعية على امتداد التاريخ الحديث، لا بد أن يقفوا إجلالاً أمام التجربة الوحدوية والتنموية الأكثر نجاحاً وتوهجاً. وإزاء ذلك، فإن من حق أصحاب هذا الإنجاز التاريخي الكبير أن يحولوا يوبيلهم الذهبي إلى محطة غير عادية، وأن يتوجوها بمنجزات تضع الإمارات في موقعها المستحق ضمن قائمة أفضل دول العالم.
إننا مدينون لجيل الآباء المؤسسين الذين أسلمونا الراية ورحلوا قريري العين إلى جوار ربهم. لقد أنجزوا الكثير وتركوا لأبناءهم وأحفادهم ولأمتهم الكثير، إلا أن أهم ما تركوه هو النموذج والأمثولة. ولقد أثبتت دروس السنوات الثلاثين الماضية، أن الركون إلى إنجازات الأولين لا يصنع خطوة واحدة في درب المستقبل.
وها هي وثيقة الإمارات 2021 تأتي لتعيد التأكيد على أن القيمة الحقيقية لمنجزات الماضي، تتبدى من خلال البناء عليها، أكثر مما تتبدى في التغني بها.
لقد وضعت الوثيقة هدفاً في غاية الوضوح: نريد للإمارات أن تصبح من أفضل الدول في العالم بحلول 2021. هكذا بلا لبس أو مواربة.
ولعل جلاء العبارة في هذا الالتزام الوطني، إنما يدل على ثقة عالية مستمدة من إيمان القيادة الحكيمة بقدرة شعب الإمارات، وعزيمة أبنائه، وصدق انتمائهم، وحبهم لوطنهم.
ويبقى علينا نحن أبناء الوطن، على اختلاف مواقعنا، أن نتسابق لإثبات جدارتنا بهذه الثقة. ففي نهاية المطاف، ثمة امتحان ينتظرنا جميعاً، وهو يتمثل في استحقاق 2021 الذي لا يعدّ الفشل فيه خياراً مطروحاً على الإطلاق.
إن الوثيقة الوطنية إذ تركّز على التنافسية الاقتصادية ومجتمع المعرفة، جنباً إلى جنب مع المرتكزات الأخرى، فإنها تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتسد الطريق أمام أي تأويلات تتعلق باستحقاقات المرحلة المقبلة.
ولنتناول هذا الجانب بمزيد من الصراحة؛ فعلى مدى العقد الماضي لم يكد يمر عام إلا ويرد فيه اسم دولة الإمارات في قائمة الدول المتقدمة عالمياً، في مجالات الحكومة الإلكترونية والجاهزية الإلكترونية واقتصاد المعرفة ومجتمع المعرفة. وخلال تلك الفترة لم تتزحزح دولتنا عن المركز الأول خليجياً وعربياً، في الكثير من مجالات التحول الإلكتروني.
وشكّل التقرير الأخير عن الجاهزية الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة في يناير 2010، استثناءً نأمل أن يكون من النوع الذي يؤكد القاعدة. فقد وضع مملكة البحرين الشقيقة في مركز الصدارة في الحكومة الإلكترونية، على مستوى الوطن العربي والشرق الأوسط عموماً.
ولا بد من القول إننا شعرناً بالسعادة والفخر لهذا الإنجاز الخليجي والعربي، خصوصاً وأن البحرين احتلت المركز الثالث على قارة آسيا، والثالث عشر عالمياً في مجال الحكومة الإلكترونية.
وبمقدار ما يضع هذا الإنجاز عبئاً كبيراً على مملكة البحرين الشقيقة، لجهة المحافظة على الصدارة خلال الأعوام المقبلة، فإنه يضع علينا نحن أصحاب السبق في مجال الحكومة الإلكترونية، عبئاً أكبر لاستعادة الريادة في التحول الإلكتروني، باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز التنافسية الاقتصادية التي أفردت لها الوثيقة الوطنية الأخيرة حيزاً واسعاً.
هل تراجعنا نحن، أم تقدّم الآخرون؟ لا فرق، فنحن الذين عملنا في ظل التوجيهات الحكيمة لقيادتنا الرشيدة، ندرك أن العالم من حولنا يتحرك، وأن التوقف عن الحركة ولو لخطوة واحدة، إنما يعني في حقيقة الأمر تراجعاً بمقدار خطوة واحدة.
ولعل موقعي الحالي في إدارة الهيئة العامة للمعلومات، يسمح لي باستخلاص بعض أسباب خسارتنا للريادة الإقليمية في مجال التحول الإلكتروني.
وأول تلك الأسباب في رأيي، يتعلق بعدم تفعيل برنامج الحكومة الإلكترونية على مستوى اتحاد الإمارات، علماً بأن استراتيجية الحكومة الاتحادية 2007 نصت بوضوح على «إنشاء هيئة مختصة بتطوير الخدمات الحكومية والحكومة الإلكترونية».
من ناحية ثانية، فإن المنجزات المحلية (على مستوى كل إمارة) في مجال الحكومة الإلكترونية، طغت أحياناً على اهتمامنا بإنجاز الحكومة الإلكترونية الاتحادية.
وعلى الرغم من التفوق الإقليمي لمشروعات وطنية تستحق منّا الفخر، مثل حكومة دبي الإلكترونية التي كان لي شرف قيادتها لنحو ثماني سنوات، فإن الجهات الدولية المعنيّة بتنافسية الدول، لا تحكم على مستوى التحول الإلكتروني في دول العالم إلا من خلال مشروعاتها الوطنية الكلية (الاتحادية في حال الإمارات).
إن التطورات في هذا السياق قد أوجدت حاجة ماسة لاعتماد جهة مركزية اتحادية، تعنى بالتنسيق بين مختلف مشاريع الحكومات الإلكترونية المحلية، لأهداف ليس أقلها جسر الفجوة المتباينة بين تلك المشاريع الوطنية، وضبط إيقاع التحول الإلكتروني في ما بينها.
وإذ يمكننا إطلاق العنان للكثير من التأملات، حول أسباب ما تعمّدنا تسميته بالتراجع النسبي على سلّم التحول الإلكتروني إقليمياً وعالمياً، فإن أسوأ السيناريوهات المفترضة يتمثل في احتمال أن يكون التفوق الذي حققناه على مدى السنوات العشر الأخيرة، قد خلق حالة من الركون بأن وجودنا في المركز الأول بات من المسلّمات، وبالتالي فلا مانع من بعض التراخي والاستهانة! وكلّي أمل أن لا يكون هذا السيناريو هو المعبّر عن واقع الحال.
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات
