هدد أفيغدور ليبرمان الأسبوع الماضي بالعدوان على سورية (وتلقينها درساً جديداً) معلناً أن إسرائيل لن تكتفي هذه المرة بالعدوان عليها وهزيمتها عسكرياً فقط كما كان الحال دائماً (حسب رأيه) وإنما ستعمل على إسقاط النظام السوري برمته، ومن الواضح أن مثل هذه التصريحات هي الأكثر وقاحة من تصريحات أي سياسي إسرائيلي متطرف منذ قيام الدولة الصهيونية حتى اليوم، بمن في ذلك إسحق شامير ومناحيم بيغن وصولاً إلى بنيامين نتنياهو.
لا يخفي أفيغدور ليبرمان آراءه وأفكاره تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وقد عبر عن مواقفه خلال حملاته الانتخابية وتصريحاته بعد أن أصبح وزيراً في حكومة أولمرت قبل سنوات، ثم جددها وأكدها بعد أن تولى منصب وزير الخارجية في حكومة بنيامين نتنياهو.
وخلاصة آراء ليبرمان أنه يرفض حل الدولتين، وأقصى ما يقبل به بالنسبة للفلسطينيين هو إدارة ذاتية لهم في الضفة وغزة على أن يعترفوا بيهودية (دولة إسرائيل)، وبالنسبة لسورية يرفض أي انسحاب من الأراضي السورية المحتلة، وبعد التساهل طرح بديلاً عن الانسحاب من الجولان أسوأ من الاحتلال وهو استئجارها لمدة مئتي عام، وحتى قبوله بالاستئجار هذا مشروط بطرد قيادات المنظمات الفلسطينية من دمشق.
وتوقف سورية عن دعم حزب الله وفك علاقاتها مع إيران وقبولها بالمفاوضات المباشرة دون شرط أو التزام مقابل من إسرائيل، ولم يكتف ليبرمان بهذا الهذيان وفرض الشروط، بل طاولت تصريحاته وهذيانه مصر التي عقدت اتفاقية (سلام) مع إسرائيل منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فقد هدد بل طالب بقصف السد العالي، وهاجم الرئيس مبارك بكلمات مقذعة بسبب رفضه زيارة إسرائيل.
ومن الواضح أن مواقف ليبرمان تعادي الجميع وتنم عن صلف و(بلطجة) و(زعرنة) لا شبهة فيها كما أطلق عليها بحق بعض الساسة السوريين، وهي حسب أي مقياس (سياسي أو دبلوماسي أو براغماتي مصلحي) لاتصدر إلا عن مهووس وجاهل وأحمق لايرى أبعد من أنفه.
ولكن هل يكفي الجهل والصلف والهوس والحماقة والرغبات الذاتية والأهواء الشخصية لتفسير هذه المواقف التي لا تتعدى رؤى (حارس شخصي في ملهى ليلي) كما كان يعمل في مولدافيا بلده الأصلي قبل أن يهاجر إلى إسرائيل، وهل رغبات ليبرمان الشخصية وأهواؤه وحدها هي التي حرضته على أن يعربد ويهذي ويتحدى بمثل ما يفعله الآن؟
أم أن هناك ظروفاً موضوعية قائمة في المنطقة وفي طيات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، شجعت الإسرائيليين على انتخاب حكومة متطرفة والتصويت لأحزاب همجية كما هو حال حزب ليبرمان الذي أصبح الحزب الرابع في إسرائيل، وكاد يتغلب على حزب العمل الذي أسس دولة إسرائيل وحكمها أكثر من ربع قرن حكماً متواصلاً وربع قرن آخر شريكاً في الحكم؟.
رغم خروج تصريحات ليبرمان عن المألوف واستخفافها بالقانون الدولي واستفزازيتها، فإنها لم تجد معارضة داخل إسرائيل تتناسب مع حدتها وشدتها وشذوذها، فكان بيان نتانياهو ـ ردا عليها ـ غامضاً حتى بدا وكأنه تأييد ضمني لها، فلم يتعرض لشذوذ تصريحات وزير خارجيته بل اهتم بنفي وجود اتصالات سرية لاستئناف المفاوضات بين سورية وإسرائيل من وراء ظهر ليبرمان.
وكأن المشكلة هي حل خلافات داخل الحكومة الإسرائيلية (والمجلس الوزاري السباعي المصغر) وليست في التصريحات نفسها التي لا حدود لتطرفها وصلفها، مما يعني أن حكومة نتانياهو ترفض واقعياً أي تسوية مع سورية إلا إذا كانت على شكل اتفاقية إذعان، والملفت للنظر أيضاً تصريحات إيهود باراك التي أطلقها قبل يومين من تصريحات ليبرمان والتي لا تختلف عنها كثيراً، وسكوت القوى السياسية الإسرائيلية الأخرى على هذه التصريحات.
باستثناء أصوات مبحوحة صدرت عن بعض اليساريين، مما يؤكد إما تأييدها من المجتمع الإسرائيلي بعد أن انزاح إلى اليمين، أو عدم المبالاة بمخاطرها بعد أن اطمأن الإسرائيليون إلى أن ميزان القوى لصالحهم، وأنهم كلما ازدادوا تطرفاً كلما ربحوا أكثر في أية تسوية محتملة.
من خلال ظروف موضوعية تعتمد على الضعف العربي والتفرقة والانقسام وتخلي العرب عن دورهم الإقليمي وإيكاله للآخرين، وعدم خشية الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية من لوم عربي أو جفاء أو غضب عربي، مما سهل على قادة هذه الدول ومسؤوليها تملق إسرائيل وطلب ودها، والتعبير عن دعمهم لسياستها العدوانية والاستفزازية وعدم احترامها للقانون الدولي على حد سواء.
إن الشرط الموضوعي إذن هو المحرض الرئيس لليبرمان وباراك وأمثالهما على إطلاق مثل هذه التصريحات وتبني مواقف متطرفة وليس الشرط الذاتي وحده، هو الذي شجع ليبرمان على الهذيان.
بقي القول، إن إطلاق السياسيين السوريين على ليبرمان أوصافاً يستحقها (كالأزعر والغبي والأحمق) لا يحل المشكلة، رغم أنه يشفي الغليل، وينبغي أخذ تصريحاته هذه وتصريحات غيره من الساسة والقادة العسكريين الإسرائيليين مأخذ الجد، فمن يمنع حكومة نتانياهو من استغلال اختلال ميزان القوى العسكري والسياسي وظروف السياسة العالمية القائمة، للعدوان على سورية (وغير سورية) وتوجيه ضربة عسكرية يصعب إزالة آثارها السياسية والعسكرية خلال سنوات قليلة، وربما احتلال أراضٍ عربية جديدة، خاصة وأن العدوان الأمريكي العسكري على أفغانستان وعلى العراق كادا يجعلان من العدوان على الدول الأخرى من طبيعة الأمور.
كاتب سوري
