بعد الأجواء الإيجابية المتفائلة بقرب إتمام المصالحة الفلسطينية، والتي ولدتها تصريحات العديد من قيادي حماس وعلى رأسهم خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، وزيارة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور نبيل شعت لغزة في الثالث من الشهر الجاري، عادت الأمور إلى مربعها الأول حيث تواصل آليات ووقائع الانقسام الفلسطيني.

حركة حماس كانت قد أصدرت جملة من التصريحات التي لا تتوقف عند حدود موقفها السابق الذي يطالب بحوار لتضمين ملاحظاتها على الوثيقة المصرية ولا تصل إلى حدود القرار الواضح بإعلان الاستعداد للتوقيع على الوثيقة، وكل ذلك في سياق حملة سياسية إعلامية لترطيب العلاقات المتوترة والجافة مع القاهرة.

كانت تلك الحملة السياسية الإعلامية، مؤشراً على أن الحركة، لا ترغب وهي ليست بوارد الخوض في صراع خاسر مع القاهرة، التي فضلاً عن دورها المركزي وتأثيرها الواسع في الشأن الفلسطيني، فإنها تشكل المنفذ الوحيد لسكان قطاع غزة، على العالم الخارجي.

تبرر حماس امتناعها عن التوقيع على الوثيقة المصرية، بالحديث عن أن الوثيقة لم تشمل على قضايا تم الاتفاق عليها في الحوار مع حركة فتح، وبأن ثمة استبدال بعض الصياغات لبعض ما تضمنته الورقة، تنطوي إعادة صياغتها على مضامين تتصل بالصلاحيات والآليات.

تضيف حركة حماس أنها بحاجة إلى حوار يستهدف البحث عن والاتفاق على ضمانات أكيدة، لتنفيذ الوثيقة، حتى لا تلاقي مصير اتفاقية مكة التي انهارت بعد نحو أربعة أشهر فقط من التوصل إليها في مطلع العام 2007.

القاهرة على لسان الوزير عمر سليمان، وبعد ذلك الناطق باسم الخارجية حسام زكي، رحبت بالتصريحات الإيجابية التي صدرت عن مسؤولي حركة حماس، لكنها أكدت مجدداً موقفها الرافض لفتح الوثيقة على أية تعديلات، مما يعني أن الاستعصاء لا يزال قائماً، ويتطلب تحركاً من طرف أو أطراف فاعلة لمعالجته.

والبعض بالغ في معاني وأبعاد الزيارة التي قام بها نبيل شعت لقطاع غزة، خاصةً وأنها توبعت باهتمام ملحوظ من قبل حركة حماس التي أجرت معه لقاءين وكانت النتائج إيجابية وفقاً للتصريحات التي أطلقها الطرفان.

وقد ارتفعت مؤشرات التفاؤل نظراً لأن زيارة شعت لغزة، تزامنت مع زيارة قام بها رجل الأعمال الفلسطيني المعروف منيب المصري، الذي التقى على الفور رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية، وأيضاً لأن زيارة شعت جاءت لتعميق الأجواء المتفائلة التي وفرتها في الأساس تصريحات المسؤولين من حماس.

في الواقع فإن زيارة شعت لم تكن لإجراء حوار مع حماس، وكان ذلك واضحاً من تصريح أدلى به عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد، الذي قال إن شعت ليس مخولاً بذلك، وأيضاً من تصريحات صدرت عن شعت نفسه لتوضيح أبعاد زيارته، ولذلك فإن لقاءاته مع قيادات حماس لم تخرج عن شرح المواقف، وكسر الجمود السائد.

على أن ثمة ما سمعه شعت، ويضفي مصداقية أكبر على توجهات حماس الإيجابية، حيث وعدت باتخاذ إجراءات أحادية الجانب لتأكيد هذه التوجهات، ظهر منها لاحقاً أن حماس تنظر في إعادة تسليم المقر المركزي لحركة فتح في غزة، وهو ما أكده شعت في تصريح علني.

الفصائل الفلسطينية التي التقت شعت، وتواصل لقاءاتها مع حركة حماس في قطاع غزة، على غير ما تعودت عليه، وجدت بأن خطاب حماس الإيجابي يتمتع بقدر أفضل من المصداقية، ولذلك فإنها أخذت تتحرك لتقديم مبادرة تستهدف ضمان أخذ ملاحظات حماس على الوثيقة المصرية بعين الاعتبار عند التنفيذ، على أن تقوم حماس بتوقيعها بدون فتحها للحوار.

في الحقيقة فإن الفصائل الأخرى بما في ذلك حركة فتح، لديها هي الأخرى ملاحظات، خاصة وأن الوثيقة غير مكتملة، وهي حصيلة جولة الحوار الشامل، وسبع جولات من الحوار الثنائي بين فتح وحماس، لم تتمكن من تحقيق اتفاق على كل القضايا المطروحة.

ثمة ما يدعو الفصائل للاستعجال في إيجاد مخارج مناسبة ومقبولة لدى كل الأطراف لكيفية التعامل مع وثيقة المصالحة التي قدمتها مصر كمحصلة، فالقمة العربية مقبلة في مارس، ويحتاج الفلسطينيون إلى أن يتقدموا من الزعماء العرب بموقف موحد، وطلبات متفق عليها، بالإضافة إلى أن رياح الحرب التي تهب على المنطقة تزداد سخونة وسرعة.

ليس هذا وحسب، بل إن مرور أكثر من ثلاثين شهراً على الانقسام المرير، قد أكد أن أياً من الطرفين المتصارعين حماس وفتح، لم ينجحا كل لوحده في إنجاح مشروعه وتحقيق إنجازات، فيما إسرائيل تتلاعب بمصير الفلسطينيين وتواصل اعتداءاتها، واستيطانها، وتهويدها للقدس، وبناء جدارها العنصري.

وبعد ثلاثين شهراً يتضح أيضاً لكل أطراف الصراع والانقسام الفلسطيني، أن المجتمع الدولي يتحول نحو تركيز اهتمام أكبر للملف النووي الإيراني وتداعياته، وأن هذا المجتمع الدولي، لا يجد ضرورة للضغط على إسرائيل التي تتحمل مسؤولية تعطيل عملية السلام، وأن العرب أيضاً، منقسمون بما في ذلك على الموضوع الفلسطيني، الذي ينقسم أهله عليه.

على أنه بالرغم من كل هذه المؤشرات الإيجابية، وبالرغم من كل هذه العوامل التي توجب تحقيق المصالحة الفلسطينية بأسرع وقت ممكن، نقول إنه بالرغم من كل ذلك إلا أن ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن الظروف الذاتية ليست مؤهلة لتحقيق هذه المصالحة، وهو ما عبر عنه القيادي في حماس محمد نزال فقط بعد ثلاثة أيام من انتهاء زيارة شعت لغزة.

نزال تحدث عن أن حركة حماس لا تزال تتمسك بموقفها من ضرورة فتح الوثيقة المصرية لإدخال تعديلات عليها، وأشار إلى أن الأوضاع الإقليمية والدولية لا تشجع أو تدعم إجراء مثل هذه المصالحة.

تصريحات نزال إما أنها تشير إلى خلافات داخل حماس حول الموقف أو أنها تستهدف توضيح ما جاء في تصريحات زملائه التي اتسمت بالغموض الإيجابي، ولكن في كل الأحوال فإن استمرار الانقسام، هو استمرار للنزيف، واستمرار للضعف، واستمرار لشعور المواطن الفلسطيني بالإحباط وخيبة الأمل.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com