كان يستعد لاصطحاب أبنائه للعب في الحديقة كما وعدهم قبل أيام، وبينما هو يلبس ثيابه سمع صوت مزهرية تنكسر، هرع إلى مكان الحادث فوجد أبناءه وكأنّما على رؤوسهم الطير من شدة خوفهم منه. كانوا جميعاً ينظرون إلى فمه ليتلقّوا قراره بعد الحادث، أما الابن الأكبر.

فقد كان ينظر إلى ملامح وجهه كلّها لأنّه تعلّم من خلال خبرته عبر السنين كيف يقرأ ملامح والده ليحاول التنبّؤ بالقرار الذي عادة ما يأتي فجائياً، أو ارتجالياً. تغيّرت ألوان وجه الأب، ورمق أبناءه بنظرات كأنها أسواط جلاّد، ثم أصدر حكمه النهائي: (لن نذهب إلى الحديقة عقاباً لكم لكسركم المزهرية) ثم فتح باب المنزل وخرج حاملاً معه أحلام أطفاله الذين تيتّم يومهم ذاك.

من الواضح أن الأبناء لم يعلموا بأنّهم لو شاغبوا وكسروا شيئاً ما، كالمزهرية مثلاً، فإنهم سيحرمون من الذهاب إلى الحديقة، والسؤال هو، لو كانوا يعلمون العقوبة فهل كانوا سيسيئون الأدب؟ أليس من الممكن أنهم لو علموا بالعقوبة لجلسوا في انتظار الأب حتى يفرغ من استعداده للخروج دون أن يحيلوا المكان لساحة حرب بريئة؟ ثم السؤال الحقيقي هو، هل من العدل أن يعاقب المرء على فعل لا يعلم أن له عقوبة؟

لقد اعتادت مجتمعاتنا النامية على ارتجال معظم قراراتها في الحياة، وعلى الرغم من أن ارتجال الحديث هو إحدى الصفات التي تميّز العرب عن غيرهم من الأمم، إلا أنهم لم يتوقّفوا عند الحديث فقط ، بل عمّ الارتجال أغلب القرارات المصيرية في حياتهم، وما ذلك إلا امتداد لسنوات طويلة من الارتجال التربوي والتعليمي في مدارسنا الموقّرة. فلقد اعتدنا أن يرتجل المعلّم قراراته دون سابق إنذار، وكل شيء كان يعتمد على مزاجه ونوعية الفطور الذي أعدته له زوجته ذلك اليوم.

أتذكر الآن مدرساً عصبياً درّسنا في المرحلة الثانوية، وكلّما شاغب الأولاد في الفصل أَقسم «بكتاب الله المنزل» كما كان يقول، ألا يشرح درس ذلك اليوم، ثم يتوعدنا بإدخاله في امتحان نهاية العام الدراسي، على الرغم من كون الفئة المشاغبة لم تتعد نسبة عشرة بالمئة من مجموع طلاب الفصل، حتى تحديد عدد الضربات التي يستحقها الطلبة الغائبون أو الذين لم يؤدوا الواجب كانت تحدد تبعاً لمزاج المدرّس، أما إدارة المدرسة فلم تسلم هي الأخرى من ارتجال قرارات مهمة تمس مصير الطلبة والمدرسين على حد سواء.

لم نكن نعلم كيف نتصرف في المدرسة، حيث كنّا نقيم في رعب دائم، وكنّا نوزّع الأدوار على بعضنا البعض لكي نجمع أكبر كميّة من المعلومات ثم نقوم بتحليلها ونصل إلى نتيجة، وغالباً ما كانت تحاليلنا تبوء بالفشل، فالتربية في مدارسنا العربية متقلّبة كتقلّب الطقس في إنجلترا شتاءً.ماذا لو أن المدرسة أصدرت لائحة بالقوانين والعقوبات المترتبة على مخالفتها، هل كنا سنذهب إليها صباح كل يوم ونحن سعداء؟

إن إحدى نتائج تلك التربية الارتجالية، هو تأصّل فن الارتجال لدينا، فاقتحم منازلنا وأصبح السمة السائدة في آلية اتخاذنا لأي قرار، مصيرياً كان أم هامشياً، وعندما نقوم بذلك مع أبنائنا، فإننا نلغي دور القانون ونجعله مجرّد «فكرة» مهمة في حياتهم، أما وقت التطبيق فإنه ينزوي إلى صفحات الكتب، لنربّي أبناءنا على ارتجال حياتهم برمّتها في المستقبل، وبالتالي فإننا ننشئهم على غياب التخطيط والانضباط، فكيف لإنسان نشأ في بيت يرتجل قراراته في التوّ والساعة أن يقدّر أهمية التخطيط والإعداد المسبق لأي شيء في المستقبل!

إن ثقافة الارتجال هي ثقافة الفوضى وغياب الشرعية من حياة الإنسان البسيطة، وهي الشرارة الأولى لنشوب نزاع دائم في نفس الإنسان بين التقدم والرّجعية، فمع تراجع مكانة القانون، حتى في أبسط جوانب الحياة، وإن كان داخل منزل صغير، يُفسَحُ المجال للمكايد والحيل والرشاوي والفساد لتكون هي الصفات الغالبة في المجتمع.

علينا ألا نستغرب من انتشار فساد إداري في مؤسسة ما، فغالباً لا يكون في مؤسساتنا العربية قانوناً واضحاً يلزم الموظفين بضوابط مهنية ويعزز لديهم أخلاقيات العمل الاحترافي، وإن وجد القانون فإنه غالباً ما يكون مهمّشاً أو غير مفعّل من قبل المستخدمين لأنهم نشأوا على «فنيّات» تجاوزه والتحايل عليه للحصول على ما يريدون. فالأب الذي يضع قانوناً بعد العقوبة لن يُخرِجَ للمجتمع فرداً يستوعب ما هو النظام، ويقدّر دور القانون، ناهيك عن احترامه لهما.

عندما يعرف الإنسان حقوقه وواجباته، ويعرف ما هو دستوره، في البيت أو في المدرسة أو في العمل أو في أي مكان، ثم يعرف ما هي عقوبة مخالفته للقوانين والأنظمة، فإنه حينها فقط ينتقل من العالم الثالث إلى العالم الأول، وعندها يتقهقر الارتجال دون رجعة وتتطور المجتمعات، لأن أفرادها لا يسعون إلى المجهول كما كانوا يفعلون قديماً، بل إن كل واحد منهم يعرف ما له وما عليه.

عندما يضع الأب دستوراً للمنزل ويحترمه، وعندما يضع المدرس دستوراً للفصل ويطبّقه، وعندما يعلم الابن والطالب ما هي العقوبة لمخالفتهما للدستور والقانون.. عندها فقط لن يأمنا العقوبة، وبالتالي فإنهما لن يسيآ الأدب.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com