لا شك أن الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما، تطرح رؤية جديدة للاستراتيجية الأميركية، في سياق التطورات الاقتصادية والسياسية التي عصفت بالمجتمع الدولي خلال العامين الماضيين.

والتي تسببت في أزمة مالية، وتصاعد حدة التوتر في العديد من البؤر الساخنة في العالم.إلا أن الرهان على أن رؤية هذه الإدارة تضع في المرتبة الأولى من أولوياتها ملفات السياسة الدولية، يمكن اعتباره قراءة غير دقيقة للمحاور الأساسية التي أوصلت أوباما إلى البيت الأبيض.

لذا يمكن القول إن رؤية فريق أوباما، لا تتضمن تعديلات جوهرية على توجهات الاستراتيجية الأميركية، بقدر ما تحاول إيجاد الصيغ الاقتصادية التي تضمن تحقيق نفس الأهداف، مع تقليص حجم النفقات الدفاعية، كإجراء لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية التي خيمت، ليس فقط على الولايات المتحدة، وإنما على كل دول العالم في خريف عام 2008.

ولعل قرار واشنطن بالتراجع عن نشر شبكة الرادارات ومنظومات الدرع الصاروخية في شرق أوروبا، كان أول القرارات التي عبرت عن هذه التوجهات، والتي لم تصدر لتعديل الاستراتيجية الأميركية، وإنما جاءت بعد أن تم وضع البدائل التي تحقق نفس الأهداف، دون أن ترهق الميزانية الأميركية بأعباء إضافية.

إذ يستخدم النظام الدفاعي الذي أعلن عنه الرئيس أوباما تقنيات حديثة أقل تكلفة، وسيوفر قدرات بشكل أسرع ودفاعات أكبر ضد تهديد أي هجوم صاروخي، مقارنة مع برنامج الدرع الصاروخية الأوروبية.

ويعتمد النظام الجديد على أنماط متطورة من الصواريخ التقليدية إس إم ـ3، وستنشر سفن من طراز إيجيس مزودة بصواريخ اعتراضية، في أوروبا ضد التهديدات العاجلة، في إطار البرنامج المعدل للدرع الصاروخية.

ومن المتوقع أن يتم نشر المرحلة الأولى في العام 2011، وستوسع الخطة المكونة من أربع مراحل بشكل منتظم المساحة المحمية، إذ إنه من المتوقع أن يتزايد التهديد.وسيتم إدخال أنظمة الدفاع المتمركزة براً في مرحلة ثانية، ابتداءً من عام 2015.

ويعتقد فريق من الخبراء الروس أن تقرير «المراجعة الدفاعية للسنوات الأربع السابقة»، الذي عرضه وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، يتجه نحو نظرية جديدة في الاستراتيجية الأميركية، تنص على ضرورة تأهيل القوات الأميركية لإجراء عمليات مختلفة، ابتداءَ من الدفاع عن الوطن ودعم السلطات المدنية، وإجراء عمليات تخويف وردع، وحتى النزاعات التي تشارك فيها القوات الأميركية والحروب التي قد تواجهها يوماً ما.

ويستند ذلك إلى رفع درجة التأهب، لصد «عدد أكبر من التهديدات الأمنية».وينوي العسكريون الأميركيون، التركيز على مواجهة الخطر المتعاظم للهجمات الالكترونية.

وإذا كانت حالة عدم الاستقرار السياسي، على المستوى العالمي بشكل عام وفي الدول التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل بشكل خاص.

يمكن أن تكون من العوامل المثيرة لقلق الولايات المتحدة، ما يعتبره البيت الأبيض مبرراً لنشر الأسلحة والصواريخ الأميركية، فإن توجهات السياسة الأميركية في هذا الإطار تثير قلق موسكو، باعتبار أن خطط واشنطن ستؤدي لمحاولة شل القدرات الدفاعية الروسية وفرض حصار حول روسيا، ما يفرض على موسكو اتخاذ إجراءات وقائية تضمن أمن روسيا القومي.

ويبدو أن تركيبة العلاقات الدولية ما زالت على حالها، تعاني من أزمات عدم الثقة والصراعات، التي تتحول شيئاً فشيئاً لتصبح صراعات تناحرية، تهدد ليس فقط النظام العالمي الجديد، وإنما أمن واستقرار المجتمع الدولي، لأن استمرار الولايات المتحدة في تصعيد سباق التسلح، يجبر روسيا على مواصلة نفس النهج.

وتكشف العقيدة العسكرية الروسية الجديدة أن موسكو ما زالت تشعر بالقلق على أمنها القومي، لذا تحتفظ لنفسها بحق استخدام السلاح النووي للدفاع عن البلد وحلفائه، أو في حالة نشوء خطر يهدد وجود كيان الدولة.بل إن العقيدة الجديدة تتضمن بنداً يجيز استخدام القوات خارج حدود البلد، لحماية الرعايا الروس ومصالحهم من الأخطار التي تهددهم.

وبدلاً من أن تصبح وسائل الدمار الشامل من مخلفات الماضي، وتعتمد القوى الدولية استراتيجية التقليص التدريجي والمتوازن للترسانة النووية في ظروف الأمن المتكافئ للجميع، فإن حالة التوتر التي تصر على بثها الأوساط السياسية الأميركية المتشددة، تفرض على أغلبية دول العالم توجيه مواردها نحو التسلح وبناء أنظمة دفاعية، وكأننا في انتظار لحظة الحرب الشاملة.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru