طرائق نقل العلوم والمعارف والخبرات للآخرين كثيرة ومتنوعة، ليست بالتعليم المنهجي وحده، ولا بالوعظ والنصح، ولا بالتلقين، بل ربما تكون هذه الطرق هي أكثر الطرق إخفاقاً، لأنها ـ في رأيي ـ عجزتْ كثيراً عن تأدية الدور المناط بها، ولا تزال مستمرة في عجزها، على الرغم من أننا نميل إليها كثيراً في معظم أوقات تواصلنا مع من حولنا من أبناء أو طلاب أو غيرهم.
ولا يعني هذا أنني أقصد إلغاء هذه الطريقة أو إقصاءها، فهذا غير ممكن، لكن الذي أطمح إليه هو إعادة صياغتها بما ينسجم مع التطور الحاصل في كل شيء حولنا، وانعكس بشكل أو بآخر على نفسيات أبنائنا وبناتنا.
الطرائق التي يمكننا أن ننقل بها خبراتنا للآخرين، وأن نضمن وصولها إليهم واستفادتهم منها استفادة حقيقية كثيرة ومتنوعة.المهم فقط أن نسعى لأن نعرفها ـ ومعظمنا يعرفها دون شك ـ ولكن المعرفة المطلوبة ليست المعرفة النظرية، بل المعرفة العملية، التي تجعلها تخرج من حيز كونها مجرد معرفة، إلى حيز التطبيق.
من أهم هذه الطرائق؛ الكتابة، أي أن يكتب الإنسان ما في جعبته من أفكار أو آراء أو معلومات، ويقدمها للآخرين عبر الوسائط الكثيرة والمتعددة المتاحة اليوم، ولعل أكثرها شبكة الإنترنت العالمية، التي أصبحت مكاناً يجتمع فيه العالم كله مهما اختلف الزمان والمكان.
إنها من أكثر الطرق تأثيراً في الآخرين، ويمكن لأي منا أن يقدم من خلالها الكثير للمجتمع الانترنتي، ويأخذ من خلالها الكثير أيضاً.
لقد أصبح هذا المجتمع الافتراضي مكاناً بديلاً عن التجمعات التقليدية، التي كنا نعرفها من قبل (المجالس والديوانيات وغيرها)، معظم شبابنا وشاباتنا، وغيرهم من الأصغر والأكبر سناً منهم أيضاً، يفضلون المجالس الافتراضية من منتديات وغرف دردشة، أكثر من المجالس الحقيقية، لأسباب مختلفة.
ليس لمجرد الدردشة والحكي فقط، ولكن أيضاً لاستقاء المعلومات الجديدة والمحدَّثة أولاً بأول، في عالم لا يعرف نقطة نهاية، إذ يبقى كل شيء متجدداً فيه، لأنه مفتوح من حيث الزمان والمكان، لذلك فهو قابل لأن يكون محدَّثاً طيلة الوقت.
هذه ليست دعاية لشبكة الانترنت التي لا تحتاج إلى دعاية مني ولا من غيري، إنما هي إشارة فقط إلى أننا يمكن أن ننقل ما لدينا من معارف وخبرات، دون أن نضطر إلى أن نعظ ونلقن وأن نلقي بالنصائح والأوامر والاشتراطات، في سلسلة تبدأ ولا تكاد تنتهي.
ولكنها لا تدخل من أذن إلا وتخرج من الأذن الأخرى، لأن النفوس غير مهيأة لاستقبالها، والطرق غير سالكة لتصل رسالتنا إلى غايتها، فإذا بها ترتدّ عنها تلقائياً.
من أهم الطرائق التي تساعد أيضاً في نقل ما لدينا من خبرات ومعارف إلى الآخرين، وكذلك اكتساب ذلك منهم؛ «السلوك»، أي أن يطبق كل منا ما لديه من آراء وأفكار أو معلومات ومعارف في حياته اليومية، هذا يجعله قدوة لمن يريد أن يقتدي به، ويجعله كذلك أكثر مصداقية عند الآخرين، كما أنه في كثير من الأحيان لن يكون مضطراً لأن يقول شيئاً هو يقوم بفعله بنفسه.
وهذه الطريقة تجعلنا نحرص كثيراً على أن تكون أفعالنا منسجمة مع أقوالنا، ولا نكون من الذين يقولون ما لا يفعلون، على الأقل خجلاً من الناس إن لم يكن لقناعة حقيقية، وهذا هو المراد أصلاً.
تخيلوا شخصاً متخصصاً في التغذية ويقوم دائماً بتوجيه الناس للأكل الصحي، لكنه من ذوي الوزن الزائد الذي لا ينسجم مع طوله، ونظامه الغذائي غير صحي ولا يتطابق مع ما ينصح به الآخرين، من سيؤمن بمثل هذا الشخص؟ ومن سيسمع نصائحه أو يثق في معلوماته؟
في المقابل، لو أن هناك شخصاً غير متخصص في التغذية، ولا يتحدث بحديث له علاقة بهذا الموضوع، لكنه محافظ على صحته، ولا يأكل إلا بنظام خاص يضبط من خلاله كمية السعرات الحرارية المكتسبة في اليوم الواحد، ويحرص على ممارسة الرياضة بانتظام، ألن يكون هذا أكثر مصداقية عند الآخرين؟.
ألن يكون سلوكه وسيلة تنتقل بها المعلومات الخاصة بهذا الأمر لمن حوله، حتى إن لم يحدثهم ولم «ينصحهم» ولم «يلقنهم»ضوابط الغذاء الصحي؟
هذا مجرد مثال، يمكننا أن نقيس عليه كل شيء حولنا.ومثل هذه الطرائق في نقل المعلومات بطريقة غير مباشرة ـ وغيرها من طرائق لا يتسع المكان لذكرها ـ أهم من أساليب الوعظ والنصح والتلقين، التي أصبح مفعولها عكسياً لدى كثير من أبنائنا وبناتنا، وربما كبار السن عندنا أيضاً.
إننا لو بقينا على تلك الوسائل، وعلى أصوات الترغيب والترهيب، وأساليب الأمر والنهي، و«يصير وما يصير»، فإننا لن نجد آذاناً صاغية، في وقت أصبحت عملية التعليم والتربية أصعب بكثير مما كانت عليه قبل سنوات قلائل.
جامعة الإمارات