ربما قد لا يغري البعض الحديث عن الموسيقى، لكن لا أحد يلغي دورها في تربية الذوق والإحساس بالجمال، ولا أحد يلغي تأثيرها كلغة إنسانية عالمية ترحل بين الجهات، ولا توقفها حواجز ولا تحتاج إلى ترجمان.
ومنذ زمن طويل، وبالرغم من وجود قسم للموسيقى بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وأيام ما كانت تسمى فيها بوزارة الثقافة والإعلام، بقيت الأحلام في مكانها، في تكوين فرقة موسيقى قومية تنتج موسيقانا الخاصة، من المكان وبيئته وثقافته، فتأخرنا كثيراً في تطوير موروثنا وفلكلورنا الغنائي والإفادة من «نوتاته»، لتحويلها إلى موسيقى تتطور مع مرور الوقت.
لكن جاء الحلم مؤخراً بتبني الوزارة تشكيل فرقة وطنية للموسيقى وظهرت على الساحة خلال احتفالات الوزارة بالعيد الوطني الثامن والثلاثين للدولة، وكانت بادرة مفرحة أن تكون لدينا فرقة موسيقية وشباب يعزفون على الآلات المختلفة، بالأمس أيضاً خرج المركز الثقافي في أبوظبي وبإشراف الوزارة الدورة الثالثة من المنتسبين الذين أنهوا دورة في التدريب على العزف على آلة البيانو. وبدا واضحاً توجه الوزارة نحو الاهتمام بالمواهب الموسيقية وتأسيس حاضنات لها.
هذا شيء جميل، يدفع باتجاه تحقق الحلم الذي بقى طويلاً يراود الجميع، لكن لماذا الإصرار على الموسيقى؟ ولماذا أكتب أنا اليوم بالذات عن هذه المسألة؟ ألا توجد مواضيع اشد إلحاحا؟ أعرف أن هذه الأسئلة قد تتبادر إلى أذهان البعض وهم يقرأون هذه السطور.
ولكن إذا ما نظرنا إلى الذوق السائد اليوم في الموسيقى التي يتعاطاها الكبار والصغار، إذا نظرنا إلى حالة التسطيح التي يعاني منها الذوق، إذا نظرنا إلى ما يدهم أشناف الصغار الأبرياء، من غناء مبتذل وما يطرح في السوق، سنكتشف أن هناك جريمة كبرى ترتكب بحق الذائقة الجمالية، وسنكتشف أن الثقافة السمعية التي يتغذى عليها أبناء الجيل الحالي، ما هي إلا ثقافة رخيصة، تحت مسميات الأغنية الخفيفة، مدعمة بالفيديو كليب رخيص المستوى.
الموسيقى مهمة لعلاقة الإنسان بالطبيعة وبأسرارها، والموسيقى الأصل جاءت أولا وأخيراً من الطبيعة، واكتشفها الإنسان وأحبها لأنها تحرك فيه الإحساس بالجمال.
وحينما نطالب بالموسيقى كذائقة وممارسة، فإننا نطالب بالموسيقى التي تربي الذوق والشعور، الموسيقى النظيفة، ذات المستوى لكي تجد الذائقة السمعية بديلا للموسيقى المبتذلة التي تلوث الأسماع وتغطي الجو بغبارها.. البديل الرزين الذي بإمكانه أن يحتوي ذائقة صغارنا وأن يحيد بهم إلى مواطن الجمال الأكثر عمقاً وفلسفة، بعيداً عن سلع ثقافة الاستهلاك الهادمة.
وزارة الثقافة مطالبة اليوم وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم بإعادة النظر في جدوى الموسيقى في حياة طلاب المدارس، بعدما همشت وألغيت وألقيت في سهلة المهملات.
